تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
عند اللّه . ولولاه لما كان لتخصيصه بالفهم معنى . والمستدلون يقولون : إن اللّه لما لم يخطئه ، دل على أن كلا منهما مصيب . وتخصيصه بالفهم لا يدل على خطأ داود عليه السلام ، لجواز كون كلّ مصيبا . ولكن هذا أرفق وذاك أوفق ، بالتحريض على التحفظ من ضرر الغير . فلذلك استدل بهذه الآية كلّ . فكما لم يعلم حكم اللّه فيها ، لم يعلم تعين دلالتها . كذا في ( العناية ) . وجاء في ( فتح البيان ) ما مثاله : لا شك أنها تدل على رفع الإثم عن المخطئ ، وأما كون كل واحد منهما مصيبا فلا تدل عليه هذه الآية ولا غيرها ، بل صرح الحديث المتفق عليه في الصحيحين « 1 » وغيرهما أن الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران ، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر . فسماه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم مخطئا . فكيف يقال إنه مصيب لحكم اللّه موافق له ؟ فإن حكم اللّه سبحانه واحد لا يختلف باختلاف المجتهدين . وإلا لزم توقف حكمه عزّ وجلّ على اجتهادات المجتهدين ، واللازم باطل فالملزوم مثله . وأيضا يستلزم أن تكون العين التي اختلف فيها اجتهاد المجتهدين ، بالحلّ والحرمة ، حلالا وحراما في حكم اللّه سبحانه . وهذا اللازم باطل بالإجماع ، فالملزوم مثله . وأيضا يلزم أن حكم اللّه سبحانه لا يزال يتجدد عند وجود كل مجتهد ، له اجتهاد في تلك الحادثة ، ولا ينقطع ما يريده اللّه سبحانه وتعالى فيها إلا بانقطاع المجتهدين . واللازم باطل فالملزوم مثله . والحاصل أن المجتهدين لا يقدرون على إصابة الحق في كل حادثة . لكن لا يصرون على الخطأ . كما رجع داود هنا إلى حكم سليمان ، لما ظهر له أنه الصواب . قال الحسن : لولا هذه الآية ، لرأيت الحكام قد هلكوا . ولكن اللّه حمد هذا بصوابه ، وأثنى على هذا باجتهاده . الثاني - دلت هذه الآية على جواز الاجتهاد للأنبياء عليهم السلام . وهو مذهب الجمهور . ومنعه بعضهم . ولا مستند له . لأن قضاء داود لو كان بوحي لما أوثر قضاء ابنه سليمان عليه . ومما يدل على وقوعه دلالة ظاهرة قوله تعالى :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
[ التوبة : 43 ] ، فعاتبه على ما وقع منه . ولو كان ذلك بالوحي لم يعاتبه . ومنه ما صح عنه صلوات اللّه عليه من قوله « 2 » : ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في : الاعتصام ، 21 - باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ . الحديث رقم 2593 ، عن عمرو بن العاص . وأخرجه مسلم في : الأقضية ، حديث رقم 15 . ( 2 ) أخرجه البخاري في : الحج ، 81 - باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت ، حديث 826 ، عن جابر بن عبد اللّه . وأخرجه مسلم في : الحج ، حديث رقم 141 .