لما سقت الهدي ) ومثل ذلك لا يكون فيما عمله بالوحي ، ونظائر ذلك كثيرة في الكتاب والسنة . وأيضا ، فالاستنباط أرفع درجات العلماء . فوجب أن يكون للرسول فيه مدخل . وإلا لكان كل واحد من آحاد المجتهدين أفضل منه في هذا الباب .
قال الرازي : إذا غلب على ظن نبيّ أن الحكم في الأصل معلل بمعنى ، ثم علم أو ظن قيام ذلك المعنى في صورة أخرى ، فلا بد وأن يغلب على ظنه أن حكم اللّه تعالى في هذه الصورة مثل ما في الأصل . وعنده مقدمة يقينية ، وهي أن مخالفة حكم اللّه تعالى سبب لاستحقاق العقاب . فيتولد من هاتين المقدمتين ظن استحقاق العقاب لمخالفة هذا الحكم المظنون . وعند هذا ، إما أن يقدم على الفعل والترك معا ، وهو محال ، لاستحالة الجمع بين النقيضين . أو يتركهما وهو محال ، لاستحالة الخلوّ عن النقيضين . أو يرجح المرجوح على الراجح وهو باطل ببديهة العقل ، أو يرجح الراجح على المرجوح ، وذلك هو العمل بالقياس - وهذه النكتة هي التي عليها التعويل في العمل بالقياس . وهي قائمة أيضا في حق الأنبياء عليهم السلام . انتهى .
الثالث - قال السيوطي في ( الإكليل ) : استدل بها على جواز الاجتهاد في الأحكام ووقوعه للأنبياء . وقد ذكرناه قبل . وأن المجتهد قد يخطئ ، وأنه مأجور مع الخطأ غير آثم ، لأنه تعالى أخبر بأن إدراك الحق مع سليمان ، ثم أثنى عليهما . وقد تقدم أولا . واستدل بها من قال برجوع الحاكم بعد قضائه من اجتهاد إلى أرجح منه .
وفيها تضمين أرباب المواشي ما أفسدت بالليل دون النهار . لأن النفش لا يكون إلا بالليل ، كما أخرجه ابن أبي حاتم عن شريح والزهري وقتادة . ومن عمم الضمان فسره بالرعي مطلقا . وذهب قوم منهم الحسن إلى أن صاحب الزرع تدفع إليه الماشية ، ينتفع بدرّها وصوفها حتى يعود الزرع كما كان . كما حكم به سليمان في هذه الواقعة . إذ لم يرد في شرعنا ناسخ مقطوع به عندهم . انتهى .
الرابع : روى ابن جرير عن عامر قال : جاء رجلان إلى شريح فقال أحدهما : إن شياه هذا قطعت غزلا لي . فقال شريح : نهارا أم ليلا ؟ فإن كان نهارا فقد برئ صاحب الشياه . وإن كان ليلا فقد ضمن ، ثم قرأ هذه الآية .
قال ابن كثير : وهذا الذي قاله شريح شبيه بما
رواه « 1 » الإمام أحمد وأبو داود « 2 »
هامش
( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 5 / 436 .
( 2 ) أخرجه أبو داود في : البيوع ، 90 - باب المواشي تفسد زرع قوم ، حديث رقم 3570 .