وحملهم على الصبر في المجاهدة في سبيل الحق . وقد روى المفسرون هاهنا في بلاء أيوب روايات مختلفات ، بأسانيد واهيات ، لا يقام لها عند أئمة الأثر وزن . ولا تعار من الثقة أدنى نظر . نعم يوجد في التوراة سفر لأيوب فيه من شرح ضره ، بفقد كل مقتنياته ومواشيه وآل بيته ، وبنزول مرض شديد به ، عدم معه الراحة ولذة الحياة ، غرائب . إلا أنها مما لا يوثق بها جميعها . لما داخلها من المزيج ، وتوسع بها في الدخيل ، حتى اختلط الحابل بالنابل . وإن كان يؤخذ من مجموعها بلاء فادح وضر مدهش . ولو علم اللّه خيرا في أكثر مما أجمله في تنزيله الحكيم ، لتفضل علينا بتفصيله . ولذا يوقف عند إجماله فيما أجمل ، وتفصيله فيما فصّل .
تنبيه :
قال بعضهم : أكثر المحققين على أن أيوب كان بعد زمن إبراهيم عليهما السلام . وأنه كان غنيّا من أرباب العقار والماشية . وكان أميرا في قومه . وأن أملاكه ومنزله في أرض خصيبة رائعة التربة كثيرة المياه المتسلسلة في الجنوب الشرقي من البحر الميت . ومن جبل سعير بين بلاد أدوم وصحراء العربية . واللّه أعلم .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 85 إلى 86 ]
وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ ( 85 ) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 86 )
وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ، كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ
أي على القيام بأمر اللّه ، وعلى شدائد النوب ، وعلى احتمال الأذى في نصرة دينه تعالى ، ففيهم أعظم أسوة
وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا
أي في النبوة أو في نعمة الآخرة
إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ
أي الكاملين في الصلاح .
قال ابن كثير : أما إسماعيل فالمراد به ابن إبراهيم الخليل عليهما السلام . وقد تقدم ذكره في سورة مريم . وكذا إدريس عليه السلام . وأما ذو الكفل فالظاهر من السياق أنه ما قرن مع الأنبياء إلا وهو نبيّ .
وقال آخرون : إنما كان رجلا صالحا ، وكان ملكا عادلا وحكما مقسطا ، وتوقف ابن جرير في ذلك ، فاللّه أعلم .
وذهب بعض المحققين إلى أن ذا الكفل هو حزقيل عليه السلام .