القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 20 إلى 21 ]
وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ( 20 ) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 21 )
وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ
أي ما تعيشون به من المطاعم والملابس وغيرهما ، مما تقتضيه ضرورة الحياة
وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ
أي من الأنعام والدواب وما أشبهها . قال القاضي : وفذلكة الآية الاستدلال بجعل الأرض ممدودة بمقدار وشكل معينين ، مختلفة الأجزاء في الوضع ، محدثة فيها أنواع النبات والحيوان المختلفة خلقة وطبيعة ، مع جواز أن لا يكون كذلك ، على كمال قدرته وتناهي حكمته والتفرد في الألوهية والامتنان على العباد ، بما أنعم عليهم في ذلك ، ليوّحدوه ويعبدوه . ثم بالغ في ذلك وقال :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
أي وما من شيء إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه أضعاف ما وجد منه .
شبه اقتداره على كل شيء وإيجاده بالخزائن المودعة فيها الأشياء ، المعدّة لإخراج ما يشاء منها وما يخرجه إلا بقدر معلوم ، استعارة تمثيلية . أو شبّه مقدوراته بالأشياء المخزونة التي لا يحوج إخراجها إلى كلفة واجتهاد . استعارة مكنية . ومعنى
نُنَزِّلُهُ
أي نوجده ونخرجه في عالم الشهادة . والقدر المعلوم الأجل المعين له ، حسبما تقتضيه الحكمة ، وقوله تعالى :
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 22 إلى 23 ]
وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ ( 22 ) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ ( 23 )
وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ
أي تلقح السحاب أي تجعلها حوامل بالماء . وذلك أن السحاب بخار يصير ، بإصابته الهواء البارد ، حوامل للماء . قاله المهايمي : فاللواقح ، عليه ، جمع ( ملقح ) بحذف الزوائد . أو تلقح الشجر بجري مائها فيه أو تنميته ليثمر ويزهو . وجوّز كون اللواقح جمع ( لاقح ) وهي الناقة الحامل . فشبهت الريح التي تجيء بالمزن الممطرة بها . كما يشبه ما لا تكون كذلك ب ( العقيم ) فيقل : ريح عقيم .
فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ
أي بقادرين على إيجاده وإنزاله . و ( الخزن ) اتخاذ الخزائن يستعار للقدرة ، كما مرّ . أو بحافظين له في أمكنة ينابيعه ، من سهول وجبال وعيون وآبار ، بل هو تعالى وحده الذي حفظه