تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
يفهم كثير من الناس مقصودهم بها ، ولا يحسن أن يجيبهم . وقد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع . وأصل ضلالهم تكلمهم بكلمات مجملة لا أصل لها في كتاب اللّه تعالى ، ولا سنة رسوله عليه الصلاة والسلام ، ولا قالها أحد من أئمة المسلمين . كلفظ : المتحيز والجسم والجهة ونحو ذلك . فمن كان عارفا بحال شبهاتهم بيّنها ، ومن لم يكن عارفا بذلك فليعرض عن كلامهم ، ولا يقبل إلا ما جاء به الكتاب والسنة ، كما قال تعالى :
وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ
[ الأنعام : 68 ] . ومن تكلم في اللّه تعالى وأسمائه وصفاته بما يخالف الكتاب والسنة ، فهو من الخائضين في آيات اللّه تعالى بالباطل ، وكثير من هؤلاء ينسب إلى أئمة المسلمين ما لم يقولوه . وكثير منهم قرءوا كتبا من كتب الكلام ، فيها شبهات أضلتهم ، ولم يهتدوا لجوابهم ، فإنهم يجدون في تلك الكتب أنه لو كان اللّه تعالى فوق الخلق للزم التجسيم والتحيز والجهة ، وهم لا يعرفون حقائق هذه الألفاظ ، ولا ما أراد بها أصحابها ، فإن ذكر لفظ ( الجسم ) في أسماء اللّه تعالى وصفاته ، بدعة لم ينطق بها كتاب ولا سنة ، ولا قالها أحد من سلف الأمة وأئمتها ، ولم يقل أحد منهم إن اللّه تعالى جسم ولا أن اللّه تعالى ليس بجسم ، ولا أن اللّه تعالى جوهر ، ولا أن اللّه تعالى ليس بجوهر . ولفظ الجسم لفظ مجمل ، فمعناه في اللغة هو البدن . ومن قال إن اللّه تعالى مثل بدن الإنسان فهو مفتر على اللّه عز وجل ، بل من قال إن اللّه تعالى يماثل شيئا من مخلوقاته فهو مفتر على اللّه ضال ، ومن قال إن اللّه تعالى ليس بجسم ، وأراد بذلك أنه لا يماثل شيئا من المخلوقات ، فالمعنى صحيح ، وإن كان اللفظ بدعة . وأما من قال إن اللّه تعالى ليس بجسم ، وأراد بذلك أنه لا يرى في الآخرة ، وأنه لم يتكلم بالقرآن العربي ، بل القرآن العربي مخلوق ، أو هو تصنيف جبريل عليه السلام ، أو نحو ذلك ، فهو مفتر على اللّه تعالى فيما نفاه عنه . وهذا أصل ضلال الجهمية من المعتزلة ، ومن وافقهم على مذهبهم ، فإنهم يظهرون للناس التنزيه ، وحقيقة كلامهم التعطيل ، فيقولون : نحن لا نجسّم ، بل نقول : اللّه ليس بجسم ، ومرادهم بذلك نفي حقيقة أسمائه وصفاته . إلى أن قال : فهو سبحانه موصوف بصفات الكمال ، منزه عن كل نقص وعيب ، ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون اللّه تعالى بما وصف به نفسه ، وبما وصفه به رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل ، فيثبتون ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات ، وينزهونه عما نزه عنه نفسه من مماثلة المخلوقات ، إثبات بلا تمثيل ، وتنزيه بلا تعطيل . قال عز شأنه :