أَنْ تَزُولا
[ فاطر : 41 ] . فمن ظن أن معنى قول الأئمة ( اللّه مستو على عرشه حقيقة ) يقتضي أن يكون استواؤه مثل استواء العبد على الفلك والأنعام ، لزمه أن يكون قولهم : إن اللّه له علم حقيقة وسمع وبصر حقيقة وكلام حقيقة ، يقتضي أن يكون علمه وسمعه وبصره وكلامه مثل علم المخلوقين وسمعهم وبصرهم وكلامهم ، فمن ظن أن الحقيقة إنما تتناول صفة العبد المخلوقة دون صفة الخالق ، كان في غاية الجهل ، فإن صفة اللّه أكمل وأتم وأحق بهذه الأسماء الحسنى ، فلا نسبة بين صفة العبد وصفة الرب ، كما لا نسبة بين ذاته وذاته . فكيف يكون العبد مستحقّا للأسماء الحسنى حقيقة ، والرب لا يستحق ذلك إلا مجازا ؟ ومعلوم أن كل كمال حصل للمخلوق فهو من الخالق سبحانه وتعالى ، فله المثل الأعلى . فكل كمال حصل للمخلوق ، فالخالق أحق به ، وكل نقص ينزه عنه مخلوق ، فالحق أحق أن ينزه عنه ، ولهذا كان لله المثل الأعلى ، فإنه لا يقاس بخلقه ، ولا يمثل بهم ، ولا تضرب به الأمثال ، فلا يشترك هو والمخلوق بمثل ولا في قياس . ومذهب أهل السنة والجماعة إثبات الصفات للّه تبارك وتعالى ، بل صفات الكمال لازمة لذاته ، يمتنع ثبوت ذاته بدون صفات الكمال اللازمة له ، بل يمتنع تحقق ذات من الذات عريّة عن جميع الصفات ، وهذا كله مبسوط في غير هذا الموضع . فإذا قال : وجود اللّه ، وذات اللّه ، وعلم اللّه ، وقدرة اللّه ، وسمع اللّه ، وبصر اللّه ، وكلام اللّه ، ورحمة اللّه ، وغضب اللّه ، واستواء اللّه ، ونزول اللّه ومحبة اللّه ، ونحو ذلك ، كانت هذه الأسماء كلها حقيقة لله تعالى من غير أن يدخل فيها شيء من المخلوقات ، ومن غير أن يماثله فيها شيء من المخلوقات . وإذا قال : وجود العبد وذاته وماهيته وعلمه وقدرته وسمعه وبصره وكلامه واستواؤه ونزوله ، كان هذا حقيقة للعبد مختصة به ، من غير أن تماثل صفاته صفات اللّه تعالى . بل أبلغ من ذلك ، أن اللّه أخبر أن في الجنة من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والمساكن ما ذكره في كتابه . كما ذكر أن فيها لبنا وعسلا وخمرا ولحما وحريرا وذهبا وفضة وحورا وقصورا وغير ذلك . وقد قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء . فتلك الحقائق التي في الجنة ليست مماثلة لهذه الحقائق التي في الدنيا ، وإن كانت مشابهة لها من بعض الوجوه ، والاسم يتناولهما حقيقة ، ومعلوم أن الخالق أبعد عن مشابهة المخلوق ، والمخلوق عن مشابهة الخالق . فكيف يجوز أن يظن أن فيما أثبته اللّه تعالى من أسمائه وصفاته مماثلا لمخلوقاته ، وأن يقال ليس ذلك بحقيقة ! وهل يكون أحق بهذا الأسماء الحسنى والصفات العليا من رب السماوات والأرض ، مع أن