تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
ما فوق العالم شيء من المخلوقات . فإن أردت الجهة الوجودية ، وجعلت اللّه تعالى محصورا في المخلوقات ، فهذا باطل ، وإن أردت بالجهة العدمية ، وأردت اللّه تعالى وحده فوق المخلوقات ، بائن عنها ، فهذا حق ، وليس في ذلك أن شيئا من المخلوقات حصره ، ولا أحاط به ، ولا علا عليه ، بل هو العالي عليها ، المحيط بها ، وقد قال تعالى :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
[ الزمر : 67 ] ، الآية - وقد ثبت في الصحيح « 1 » عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « أن اللّه عز وجل يقبض الأرض يوم القيامة ، ويطوي السماوات بيمينه ، ثم يهزهن فيقول : أنا الملك ، أين ملوك الأرض » ؟ وقد قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : ما السماوات السبع ، والأرضون السبع ، وما فيهن ، وما بينهن ، في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم . وفي حديث آخر أنه يرميها كما يرمي الصبيان الكرة . فمن يكون جميع المخلوقات بالنسبة إلى قبضته تعالى ، إلى هذا الحقر والصغار ، كيف تحيط به وتحصره ؟ ومن قال إن اللّه تعالى ليس في جهة ، قيل له : ما تريد بذلك ؟ فإن أراد بذلك أنه ليس فوق السماوات ربّ يعبد ، ولا على عرش إله ، ونبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لم يعرج به إلى اللّه تعالى ، والأيدي لا ترفع إلى اللّه تعالى في الدعاء ، ولا تتوجه القلوب إليه - فهذا فرعوني معطل ، جاحد لرب العالمين . وإن كان يعتقد أنه مقرّ به فهو جاهل متناقص في كلامه . ومن هنا دخل أهل الحلول والاتحاد وقالوا : إن اللّه تعالى بذاته في كل مكان ، وإن وجود المخلوقات هو وجود الخالق . وإن قال : مرادي بقولي ( ليس في جهة ) أنه لا تحيط به المخلوقات فقد أصاب في هذا المعنى . وكذلك من قال إن اللّه تعالى متحيز أو قال ليس بمتحيز : إن أراد بقوله ( متحيز ) أن المخلوقات تحوزه وتحيط به فقد أخطأ ، وإن أراد به منحاز عن المخلوقات ، بائن عنها ، عال عليها ، فقد أصاب . ومن قال : ( ليس بمتحيز ) ، إن أراد المخلوقات لا تحوزه فقد أصاب ، وإن أراد ليس ببائن عنها ، بل هو لا داخل فيها ، ولا خارج عنها ، فقد أخطأ . والناس في هذا الباب ثلاثة أصناف : أهل الحلول والاتحاد ، وأهل النفي والجحود ، وأهل الإيمان والتوحيد والسنة .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في : الرقاق ، 44 - باب يقبض اللّه الأرض حديث 2039 ونصه : عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « يقبض اللّه الأرض ويطوي السماء بيمينه . ثم يقول . أنا الملك . أين ملوك الأرض ؟ » . وأخرجه مسلم في : صفات المنافقين وأحكامهم ، حديث 23 .