تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
فأهل الحلول يقولون : إنه بذاته في كل مكان ، وقد يقولون بالاتحاد والوحدة ، فيقولون : وجود المخلوقات وجود الخالق . وأما أهل النفي والجحود فيقولون : لا هو داخل العالم ، ولا خارج ، ولا مباين له ، وهذا قول متكلمة الجهمية المعطلة ، كما أن الأول قول عباد الجهمية . فمتكلمة الجهمية لا يعبدون شيئا ، ومتعبّدة الجهمية يعبدون كل شيء ، وكلامهم يرجع إلى التعطيل والجحود ، الذي هو قول فرعون . وقد علم أن اللّه تعالى كان قبل أن يخلق السماوات والأرض ، ثم خلقهما ، فإما أن يكون دخل فيهما ، وهذا حلول باطل ، وإما أن يكونا دخلا فيه ، وهو أبطل وأبطل ، وإما أن يكون اللّه سبحانه بائنا عنهما ، لم يدخل فيهما ، ولم يدخلا فيه ، وهذا قول أهل الحق والتوحيد والسنة . ولأهل الجحود والتعطيل في هذا الباب شبهات يعارضون بها كتاب اللّه عز وجل وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها ، وما فطر اللّه تعالى عليه عباده ، وما دلت عليه الدلائل العقلية الصحيحة ، فإن هذه الأدلة كما متفقة على أن اللّه تعالى فوق مخلوقاته ، عال عليها ، قد فطر اللّه تعالى على ذلك العجائز والأعراب والصبيان في الكتاب ، كما فطرهم على الإقرار بالخالق تعالى . وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث الصحيح « 1 » : كل مولود يولد على الفطرة ، فأبوه يهودانه أو ينصرانه أو يمجّسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء ؟ ثم قال أبو هريرة رضي اللّه عنه : اقرءوا إن شئتم
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ
[ الروم : 30 ] ، وهذا معنى قول عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى : عليك بدين الأعراب والصبيان في الكتّاب ، عليك بما فطرهم اللّه تعالى عليه ، فإن اللّه سبحانه فطر عباده على الحق ، والرسل بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها ، لا بتحويل الفطرة وتغييرها . وأما أعداء الرسل كالجهمية الفرعونية ونحوهم ، فيريدون أن يغيروا فطرة اللّه تعالى ، ودينه عزّ وجلّ ، ويوردون على الناس شبهات بكلمات مشتبهات ، لا
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في : الجنائز ، 79 - باب إذا أسلم الصبيّ فمات هل يصلّى عليه ، حديث 716 ونصه : أن أبا هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « ما من مولود إلا يولد على الفطرة . فأبواه يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه . كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء . هل تحسون فيها من جدعاء » ؟ . ثم يقول أبا هريرة رضي اللّه عنه :فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها ، لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ. وأخرجه مسلم في : القدر ، حديث رقم 22 .