بل هو على مذهب السلف قائل بأن اللّه تعالى فوق العرش حقيقة ، مع نفي اللوازم ، ونقل عليه إجماع السلف ، صرح به في الرسالة القدرية - انتهى - .
ومنهم : وليّ اللّه الدهلوي قدس سره ، قال في كتابه ( حجة اللّه البالغة ) :
واستطال هؤلاء الخائضون على معشر أهل الحديث ، وسموهم مجسمة ومشبهة ، وقالوا : هم المتسترون بالبلكفة ، وقد وضح عليّ وضوحا بيّنا أن استطالتهم هذه ليست بشيء ، وأنهم مخطئون في مقالتهم رواية ودراية ، وخاطئون في طعنهم أئمة الهدى - انتهى - .
ومنهم : الشهاب الألوسي المفسر ، فإنه كتب على كلام الدواني ما نصه : حاشا لله تعالى أن يكون - يعني ابن تيمية - من المجسمة ، بل هو أبرأ الناس منهم . نعم يقول بالفوقية ، وذلك مذهب السلف ، وهو بمعزل عن التجسيم . وجلال الدين وأضرابه أجهل الناس بالأحاديث ، وكلام السلف الصالح ، كما لا يخفى على العارف المنصف . نقله عنه ابنه في ( محاكمة الأحمدين ) .
وأقول . إن كل من رمى مثل هذا الإمام بالتجسيم فقد افترى وما درى ، إلا أن عذره أنه لم ينقب عن غرر كلامه في فتاويه التي أوضح فيها الحق ، وأنار بها مذهب السلف قاطبة . وهاك شذرة من درره . قال رحمه اللّه في بعض فتاويه :
والأصل في هذا الباب أن كل ما ثبت في كتاب اللّه تعالى أو سنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وجب التصديق به ، مثل علوّ الرب ، واستوائه على عرشه ، ونحو ذلك . وأما الألفاظ المبتدعة في النفي والإثبات ، مثل قول القائل : هو في جهة ، أوليس في جهة ، وهو متحيز ، أوليس بمتحيّز ، ونحو ذلك من الألفاظ التي تنازع فيها الناس ، وليس مع أحدهم نص ، لا عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا عن الصحابة رضي اللّه عنهم والتابعين لهم بإحسان ، ولا أئمة المسلمين - هؤلاء لم يقل أحد منهم إن اللّه تعالى في جهة ، ولا قال ليس هو في جهة ، ولا قال هو متحيز ، ولا قال ليس بمتحيز ، بل ولا قال هو جسم أو جوهر ، ولا قال ليس بجسم ولا بجوهر . فهذه الألفاظ ليست منصوصة في الكتاب ولا السنة ولا الإجماع ، والناطقون بها قد يريدون معنى صحيحا . فإن يريدوا معنى صحيحا يوافق الكتاب والسنة كان ذلك مقبولا منهم . وإن أرادوا معنى فاسدا يخالف الكتاب والسنة كان ذلك المعنى مردودا عليهم . فإذا قال القائل : إن اللّه تعالى في جهة ، قيل : ما تريد بذلك ؟ أتريد بذلك أنه سبحانه في جهة موجودة تحصره وتحيط به ، مثل أن يكون في جوف السماوات ، أم تريد بالجهة أمرا عدميّا ، وهو
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 83
مساهمون: محمد جمال الدين القاسمي
ص٨٣