وجوههم إلى السماء ، ونصبوا أيديهم رافعين مشيرين بها إلى السماء ، يستغيثون اللّه ربهم تبارك وتعالى ، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته . لأنه اضطراري لم يخالفهم عليه أحد ، ولا أنكره عليهم مسلم ،
وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم للأمة التي أراد مولاها عتقها « 1 » ، إن كانت مؤمنة . فاختبرها رسول اللّه صلى اللّه على وآله وسلّم بأن قال لها : أين اللّه ؟ فأشارت إلى السماء . ثم قال لها : من أنا ؟
قالت : أنت رسول اللّه . قال : أعتقها فإنها مؤمنة
. فاكتفى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منها برفع رأسها إلى السماء ، واستغنى بذلك عما سواه .
قال : وأما احتجاجهم بقوله تعالى :
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ
فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية ، لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل في القرآن قالوا تأويل هذه الآية : هو على العرش ، وعلمه في كل مكان ، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله . وذكر سنيد عن مقاتل بن حيان عن الضحاك بن مزاحم في قوله تعالى :
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ
قال : هو على عرشه ، وعلمه معهم أينما كانوا . قال : وبلغني عن سفيان الثوري مثله . قال سنيد :
حدثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن زرّ بن حبيش عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال : اللّه فوق العرش ، وعلمه في كل مكان ، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم .
ثم ساق من طريق يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن زر عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال : ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام ، وما بين كل سماء إلى الأخرى خمسمائة عام ، وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام ، وما بين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام ، والعرش على الماء ، واللّه على العرش ، ويعلم أعمالكم . وذكر هذا الكلام أو قريبا منه في كتاب ( الاستذكار ) .
وقال شيخ الإسلام تقيّ الدين بن تيمية رحمه اللّه تعالى في ( الرسالة المدنية ) : إذا وصف اللّه نفسه بصفة أو وصفه بها رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو وصفه بها المؤمنون
هامش
( 1 )
أخرجه مسلم في صحيحه : في المساجد ومواضع الصلاة ، حديث 33 وهو قطعة من حديث طويل ونصها : عن معاوية بن الحكم السّلميّ قال : وكانت لي جارية ترعى غنما لي قبل أحد والجوّانيّة ( موضع في شمال المدينة ) فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها . وأنا رجل من بني آدم . آسف كما يأسفون . لكني صككتها صكة . فأتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فعظّم ذلك عليّ . قلت : يا رسول اللّه ! أفلا أعتقها ؟ قال « ائتني بها » فأتيته بها فقال لها « أين اللّه » ؟ قالت : في السماء . قال « من أنا » ! قالت أنا رسول اللّه . قال « أعتقها فإنها مؤمنة » .