تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
عليه ذلك ، ولكنه خيل بما قال إظهارا لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليه ، كقول إبراهيم عليه السلام :
وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[ إبراهيم : 36 ] وفي إظهار النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم الرأفة والرحمة لطف لأمته ، ودعاء لهم إلى ترحم بعضهم على بعض . انتهى . قال الشراح : يعني أنه أوقع في خيال السامع أنه فهم العدد المخصوص دون التكثير ، فجوّز الإجابة بالزيادة قصدا إلى إظهار الرأفة والرحمة ، كما جعل إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم جزاء من عصاني أي لم يمتثل أمر ترك عبادة الأصنام ، قوله
فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
دون أن يقول : ( شديد العقاب ) فخيل أنه يرحمهم ويغفر لهم رأفة بهم ، وحثّا على الاتباع . وفهم المعنى الحقيقي من لفظ اشتهر مجازه ، لا ينافي فصاحته ، ومعرفته باللسان ، فإنه لا خطأ فيه ، ولا بعد ، إذ هو الأصل . ورجحه عنده شغفه بهدايتهم ، ورأفته بهم ، واستعطاف من عداهم . قال الناصر : وقد أنكر القاضي رضي اللّه عنه حديث الاستغفار ، ولم يصححه ، وتغالى قوم في قبوله ، حتى إنهم اتخذوه عمدة في مفهوم المخالفة ، وبنوه على أنه عليه السلام فهم من تحديد نفي الغفران بالسبعين ، ثبوت الغفران بالزائد عليه ، وذلك سبب إنكار القاضي عليهم وقيل : لما سوى اللّه بين الاستغفار وعدمه ، ورتب عليه عدم القبول ، ولم ينه عنه ، فهم أنه خير ومرخص فيه ، وهذا مراده صلّى اللّه عليه وسلّم ، لا أنه فهم التخيير من ( أو ) ، حتى ينافي التسوية بينهما ، المرتب عليها عدم المغفرة ، وذلك تطيبا لخاطرهم ، وأنه لم يأل جهدا في الرأفة بهم . قال الشهاب : والتحقيق أن المراد التسوية في عدم الفائدة ، وهي لا تنافي التخيير ، ثبت فهو بطريق الاقتضاء ، لوقوعها بين ضدين لا يجوز تركهما ولا فعلهما ، فلا بد من أحدهما . فقد يكون في الإثبات كقوله تعالى :
سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ *
[ البقرة : 6 ] ، لأنه مأمور بالتبليغ ، وقد يكون في النفي كما هنا ، وفي قوله :
سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ . . .
[ المنافقون : 6 ] الآية - فهو محتاج إلى البيان . ولذا قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : ( إنه رخص لي ) ولعله رخص له في ابن أبيّ لحكمة ، وإن لم يترتب عليه فائدة القبول . انتهى . و قال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) : روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال : لما نزلت
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ
قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : لأزيدنّ على السبعين ، فأنزل اللّه تعالى :
سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ