تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
الأمر ، للمبالغة في بيان استوائهما . كأنه عليه الصلاة والسلام أمر بامتحان الحال ، بأن يستغفر تارة ، ويترك أخرى ، ليظهر له جلية الأمر ، كما مر في قوله تعالى :
قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً
[ التوبة : 53 ] ، وقد وردت بصيغة الخبر في سورة « المنافقون » في قوله تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ
[ المنافقون : 5 - 6 ] . الثاني - قال الزمخشري : ( السبعون ) جار مجرى المثل في كلامهم للتكثير . قال عليّ بن أبي طالب عليه السلام :
لأصبحنّ العاص وابن العاصي * سبعين ألفا عاقدي النّواصي
أي فذكرها للمبالغة في حسم مادة الاستغفار لهم ، جريا على أساليب العرب في ذكرها للمبالغة لا للتحديد ، بأن يكون ما زاد عليها بخلافها . وقال أبو السعود : شاع استعمال السبعة والسبعين والسبعمائة في مطلق التكثير ، لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد ، فكأنها العدد بأسره . وقيل : هي أكمل الأعداد ، لجمعها معانيها ، ولأن الستة أول عدد تامّ ، لتعادل أجزائها الصحيحة ، إذ نصفها ثلاثة ، وثلثها اثنان ، وسدسها واحد ، وجملتها ستة ، وهي مع الواحد سبعة ، فكانت كاملة ؛ إذ لا مرتبة بعد التمام إلا الكمال . ثم السبعون غاية الكمال ، إذ الآحاد غايتها العشرات . والسبعمائة غاية الغايات - انتهى - . الثالث - روى البخاري « 1 » وغيره أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم قال لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، لما أراد أن يصدّه عن الصلاة على عبد اللّه بن أبيّ : إنما خيّرني اللّه فقال :
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ
الآية وسأزيده على السبعين . فظاهر هذا أن ( أو ) للتخيير ، وأن السبعين له حدّ يخالفه حكم ما وراءه ، وهو من الإشكال بمكان . ولذا قال الزمخشري : فإن قلت : كيف خفي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو أفصح العرب وأخبرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته ؟ والذي يفهم من هذا العدد كثرة الاستغفار ، كيف وقد تلاه بقوله :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا . . .
الآية فبين الصارف عن المغفرة لهم ، حتى قال : قد رخص لي ربي فسأزيد على السبعين . ثم أجاب الزمخشري بقوله : قلت لم يخف
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في : التفسير ، 9 - سورة التوبة ، 8 - باب قوله تعالى :اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً، حديث 722 .