تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
الحكم ، وإنما أطلق عليه لأنه مكتوب في اللوح . ولأئمة التفسير أقوال في تفسيره . فقيل : هو أنه لا يعذب قوما إلا بعد تقديمهم النهي ، ولم يتقدم نهي عن ذلك ، وقيل : هو أنه لا يعذب المخطئ في اجتهاده . وقيل : هو كون أهل بدر مغفورا لهم . وقيل : هو حلّ المغانم . وللرازي مناقشة في هذه الأقوال . واختار أن ( الكتاب ) هو حكمه في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة ، لأنه كتب على نفسه الرحمة ، وسبقت رحمته غضبه . أقول : لعل الأمسّ في تهويل ما اكتسبوه ، تفسير ( الكتاب ) بما في قوله تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
[ الأنفال : 33 ] . واللّه أعلم .

تنبيهات :

الأول - قال الرازي : قال ابن عباس : هذا الحاكم إنما كان يوم بدر ، لأن المسلمين كانوا قليلين . فلما كثروا وقوي سلطانهم ، أنزل اللّه بعد ذلك في الأسارى
حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها
[ محمد : 4 ] . وأقول : هذا الكلام يوهم أن قوله
فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً
يريد حكم الآية التي نحن في تفسيرها . وليس الأمر كذلك ، لأن الآيتين متوافقتان ، فإن كلتيهما تدلّ على أنه لا بد من تقديم الإثخان ، ثم بعده أخذ الفداء . انتهى . وقال بعضهم : لا تظهر دعوى النسخ من أصلها ، إذ النهي الضمني ، كما هنا ، مقيد ومغيّا بالإثخان . أي كثرة القتال اللازمة لها قوة الإسلام وعزته . وما في سورة القتال من التخيير ، محله بعد ظهور شوكة الإسلام بكثرة القتال ، فلا تعارض بين الآيتين ، إذ ما هناك بيان للغاية التي هنا . نقله في ( الفتح ) . الثاني - قال القاضي : في الآية دليل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجتهدون ، وأنه قد يكون خطأ ، ولكن لا يقرّون عليه . الثالث - قال ابن كثير : وقد استمرّ الحكم في الأسرى عند جمهور العلماء ؛ أن الإمام مخيّر فيهم ، إن شاء قتل ، كما فعل ببني قريظة ، وإن شاء فادى بمال ، كما فعل بأسرى بدر ، وبمن أسر من المسلمين ، كما فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في تلك الجارية وابنتها اللتين كانتا في سبي سلمة بن الأكوع ، حيث ردهما وأخذ في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين .