تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
يذهب ذلك من قلب العاشق بالكلية ، ويصير متعلقا بمعشوقة من الصور - كما هو مشاهد - فيصير المعشوق هو إلهه من دون اللّه عز وجل ، يقدم رضاه وحبه على رضا اللّه وحبه ، ويتقرب إليه ما لا يتقرب إلى اللّه ، وينفق في مرضاته ما لا ينفقه في مرضاة اللّه ، ويتجنب سخطه ، ما لا يتجنب من سخط اللّه تعالى ، فيصير آثر عنده من ربه ، حبا وخضوعا وذلّا وسمعا وطاعة . ولهذا كان العشق والشرك متلازمين ، وإنما حكى اللّه سبحانه العشق عن المشركين من قوم لوط ، وعن امرأة العزيز ، وكانت إذ ذاك مشركة ، فكلما قوي شرك العبد ، بلي بعشق الصور ، وكلما قوي توحيده صرف ذلك عنه . والزاني واللواطة ، كمال لذته إنما يكون مع العشق ، ولا يخلو صاحبهما منه ، وإنما لتنقله من محل إلى محل ، لا يبقى عشقه مقصورا على محل واحد ، ينقسم على سهام كثيرة ، لكل محبوب نصيب من تألهه وتعبّده فليس في الذنوب أفسد للقلب والدين من هاتين الفاحشتين ، ولهما خاصية في تبعيد القلب من اللّه ، فإنهما من أعظم الخبائث ، فإذا انصبغ القلب بهما بعد ممن هو طيّب ، لا يصعد إليه إلا طيّب . وكلما ازداد خبثا ، ازداد من اللّه بعدا . ولهذا قال المسيح - فيما رواه الإمام أحمد ، في كتاب ( الزهد ) - لا يكون الباطلون من الحكماء ، ولا يلج الزناة ملكوت السماء . ولما كانت هذه حال الزنى ، كان قرينا للشرك في كتاب اللّه تعالى . قال اللّه تعالى :
الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ، وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
[ النور : 3 ] . ثم قال رحمه اللّه : والمقصود أن اللّه سبحانه وتعالى سمى الزواني والزناة خبيثين وخبيثات ، وجنس هذا الفعل قد شرعت فيه الطهارة ، وإن كان حلالا ، وسمى فاعله جنبا ، لبعده عن قراءة القرآن ، وعن الصلاة ، وعن المساجد ، فمنع من ذلك كله حتى يتطهر بالماء . فكذلك إذا كان حراما ، يبعد القلب عن اللّه تعالى ، وعن الدار الآخرة ، بل يحول بينه وبين الإيمان ، حتى يحدث طهرا كاملا بالتوبة ، وطهرا لبدنه بالماء . وقول اللوطية :
أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ
من جنس قوله سبحانه في أصحاب الأخدود :
وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
[ البروج : 8 ] ، وقوله تعالى :
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ
[ المائدة : 59 ] ، وهكذا المشرك ، إنما ينقم على الموحد تجريده للتوحيد ، وأنه لا يشوبه بالإشراك . وهكذا المبتدع إنما ينقم على السنيّ تجريده متابعة الرسول ، وأنه لم يشبها بآراء الرجال ، ولا بشيء مما خالفها .