الوجه الثاني : إنه عني بهذه الآية قوم يقولون بأن حقيقة اللّه هو المسيح لا غير .
قال الزمخشريّ : قيل : كان في النصارى قوم يقولون ذلك . انتهى .
قال الإمام الشهرستانيّ في ( الملل والنحل ) عند ذكر فرق النصارى :
ومنهم اليعقوبية أصحاب يعقوب . قالوا بالأقانيم الثلاثة - كما ذكرنا - إلّا أنهم قالوا : انقلبت الكلمة لحما ودما فصار الإله هو المسيح ، وهو الظاهر بجسده بل هو هو . وعنهم أخبرنا بالقرآن الكريم :
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ
. فمنهم من قال : المسيح هو اللّه . ومنهم من قال : ظهر اللاهوت بالناسوت فصار ناسوت المسيح مظهر الحق . لا على طريق حلول جزء فيه . ولا على سبيل اتحاد الكلمة التي هي في حكم الصفة بل صار هو هو . وهذا كما يقال : ظهر الملك بصورة الإنسان . أو ظهر الشيطان بصورة حيوان . . إلخ .
وذكر الإمام الماورديّ في ( أعلام النبوة ) : إنّ أوائل النسطورية قالوا : إن عيسى هو اللّه . انتهى .
وذكر الأمام ابن إسحاق في ( السيرة ) : إن نصارى نجران لمّا وفدوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كانوا من النصرانية على دين ملكهم ، مع اختلاف من أمرهم . يقولون هو اللّه : ويقولون هو ولد اللّه . ويقولون هو ثالث ثلاثة - يعني هو تعالى وعيسى ومريم - وكذلك قول النصرانية . ثم قال : ففي كل ذلك من قولهم قد نزل القرآن .
قُلْ
- أي : تبكيتا لهم ، وإظهارا لفساد قولهم -
فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
أي : من يستطيع إمساك شيء من قدرته تعالى
إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ
أي : يميته
وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
أي : فضلا عن آحادهم . احتج بذلك على فساد قولهم . وتقريره : أن المسيح حادث بلا شبهة . لأنه تولد من أم . ولذا ذكرت الأم للتنبيه على هذا . ومقهور قابل للفناء أيضا كسائر الممكنات . ومن كان كذلك كيف يكون إلها ؟
قال أبو السعود : وتعميم إرادة الإهلاك للكل - مع حصول المطلوب يقصرها على المسيح - لتهويل الخطب وإظهار كمال العجز ، ببيان أنّ الكل تحت قهره تعالى وملكوته . لا يقدر أحد على دفع ما أريد به . فضلا عن دفع ما أريد بغيره . وللإيذان بأن المسيح أسوة لسائر المخلوقات في كونه عرضة للهلاك . كما أنه أسوة لها فيما ذكر من العجز وعدم استحقاق الألوهية .