قال الناصر في ( الانتصاف ) : وبقيت نكتة في تخصيص هذا الموضع بإسناد النصرانية إلى دعواهم . ولم يتفق ذلك في غيره . ألا ترى إلى قوله تعالى :
وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
[ المائدة : 18 ] . فالوجه في ذلك - واللّه أعلم - أنه لما كان المقصود في هذه الآية ذمّهم بنقض الميثاق المأخوذ عليهم في نصرة اللّه تعالى ، ناسب ذلك أن يصدر الكلام بما يدل على أنهم لم ينصروا اللّه ولم يفوا بما واثقوا عليه من النصرة . وما كان حاصل أمرهم إلا التفوه بدعوى النصرة وقولها دون فعلها . واللّه أعلم .
قال الشهاب الخفاجي : الموجود في كتب اللغة والتاريخ أن النصارى نسبت إلى بلدة ( ناصرة ) أي التي حبل فيه المسيح وتربى فيها . ولذلك كان يدعى عليه السلام ( ناصريّا ) . ثم قال : فلو قيل في الآية : إنهم على دين النصرانية وليسوا عليها لعدم عملهم بموجبها ومخالفتهم لما في الإنجيل من التبشير بنبيّنا صلى اللّه عليه وسلم - لكان أقرب من وجه التسمية الذي ذكروه .
فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا
أي ألقينا
بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
أي : يتعادون ويتباغضون إلى قيام الساعة حسبما تقتضيه أهواؤهم المختلفة ، وآراؤهم الزائغة المؤدية إلى التفرّق فرقا متباينة ، يلعن بعضها بعضا ، ويكفّر بعضها بعضا
وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ
يخبرهم اللّه في الآخرة
بِما كانُوا يَصْنَعُونَ
من المخالفة وكتمان الحق والعداوة والبغضاء . ونسيان الحظ الوافر مما ذكّروا به . وهذا وعيد شديد بالجزاء والعذاب .
لطيفة :
تطرف البقاعي - رحمه اللّه تعالى - في ( تفسيره ) هنا إلى ذكر نقباء بني إسرائيل بأسمائهم ، وأن عدتهم طابقت عدة نقباء النصارى - وهم الحواريون - كما طابقت عدة نقباء الأنصار ليلة العقبة الأخيرة ، حين بايع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم الأنصار على الحرب ، وأن يمنعوه إذا وصل إليهم ، وقال لهم : أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا - كما اختار موسى من قومه - فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا : تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس . وذكر البقاعيّ : أن بعث النقباء من بني إسرائيل كان مرتين : الأول لما كلّم تعالى موسى في برية سيناء في اليوم الأول من الشهر الثاني من السنة لخروجهم من أرض مصر . وقد فصلت في الفصل الأول من سفر ( العدد ) . والمرة الثانية : بعثوا لجسّ أرض كنعان . وفصلت أيضا في الفصل الثالث عشر من سفر