وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما
من الخلق والعجائب - وهذا تحقيق لاختصاص الألوهية به تعالى . إثر بيان انتفائها عن غيره
يَخْلُقُ ما يَشاءُ
جملة مستأنفة مسوقة لبيان بعض أحكام الملك والألوهية على وجه يزيح ما اعتراهم من الشبهة في أمر المسيح - لولادته من غير أب ، وإحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص - أي : يخلق ما يشاء من أنواع الخلق كما شاء بأب أو بغير أب . . . ! قال السمرقنديّ : وإنما قال
يَخْلُقُ ما يَشاءُ
لأن النصارى أهل نجران كانوا يقولون : لو كان عيسى بشرا كان له أب . فأخبرهم اللّه تعالى أنه قادر على أن يخلق خلقا بغير أب .
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ
من خلق الخلق ، والثواب لأوليائه ، والعقاب لأعدائه -
قَدِيرٌ
.
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 18 ]
وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 18 )
وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
حكاية لما صدر عن الفريقين من الدعوى الباطلة . وبيان لبطلانها بعد بطلان ما صدر عن أحدهما . أي قالوا : نحن من اللّه بمنزلة الأبناء من الآباء في المنزلة والكرامة . ونحن أحباؤه لأننا على دينه .
قال ابن كثير : ونقلوا عن كتابهم أن اللّه قال لعبده إسرائيل : أنت ابني بكري .
فحملوا هذا على غير تأويله وحرّفوه . وقد ردّ عليه غير واحد ممن أسلم من عقلائهم . وقالوا : هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام . كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم : إني ذاهب إلى أبي وأبيكم ، يعني ربي وربكم . ومعلوم أنهم لم يدّعوا لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى عليه السلام ، وإنما أرادوا بذلك معزّتهم لديه ، وحظوتهم عنده . . ! انتهى .
وقال الجلال الدواني في ( شرح عقائد العضد ) : وما نقل عن الإنجيل - فعلى فرض صحته وعدم التحريف - يكون إطلاق الأب عليه بمعنى المبدأ . فإن القدماء كانوا يسمون المبادئ بالآباء . وأنت تعلم أن المتشابهات في القرآن وغيره من الكتب الإلهية كثيرة . ويردّها العلماء بالتأويل إلى ما علم بالدليل . فلو ثبت ذلك لكان من هذا القبيل . انتهى .