تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
وقال الدهلويّ في ( الفوز الكبير ) : إن اللّه عزّ وجلّ شرف الأنبياء وتابعيهم في كل ملّة بلقب المقرب والمحبوب . وذم الذين ينكرون الملّة بصفة المبغوضية . وقد وقع التكلم في هذا الباب بلفظ شائع في كل قوم ، فلا عجب أن يكون قد ذكر الأبناء مقام المحبوبين ، فظنّ اليهود أن ذلك التشريف دائر مع اسم اليهودىّ والعبريّ والإسرائيليّ . ولم يعلموا أنه دائر على صفة الانقياد والخضوع وتمشية ما أراد الحقّ سبحانه ببعثة الأنبياء لا غير . وكان ارتكز من هذا القبيل في خاطرهم كثير من التأويلات الفاسدة المأخوذة من آبائهم وأجدادهم ، فأزال القرآن هذه الشبهات على وجه أتمّ . انتهى .
قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ
أي : لو كنتم أبناءه وأحبّاءه لما عذبكم ، لكن اللازم منتف إذ عذبكم في الدنيا بالقتل والأسر والمسخ ، واعترفتم بأنه سيعذبكم بالنار أياما معدودة .

لطيفة :

قال بعض شيوخ الصوفية لبعض الفقهاء : أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه ؟ فلم يردّ عليه ، فتلا عليه الصوفيّ هذه الآية :
قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ
. وهذا الذي قاله حسن . وله شاهد في ( المسند ) للإمام أحمد « 1 » حيث قال : حدثنا ابن أبي عدّي . عن حميد ، عن أنس قال : « مرّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في نفر من أصحابه ، وصبيّ في الطريق . فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ فأقبلت تسعى وتقول : ابني ابني ! وسعت فأخذته ، فقال القوم : يا رسول اللّه ! ما كانت هذه لتلقي ولدها في النار ، قال : فخفضهم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : لا ، ولا يلقي اللّه حبيبه في النار » . قال ابن كثير : تفرد به أحمد . انتهى . وقال السمرقنديّ : في الآية دليل أن اللّه تعالى إذا أحبّ عبده يغفر ذنوبه ولا يعذبه بذنوبه . لأنه تعالى احتج عليهم فقال :
فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ
لو كنتم أحباء إليه ؟ وقد قال في آية أخرى :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ
. [ البقرة : 222 ] ، ففيها دليل أنه لا يعذب التوابين بذنوبهم ، ولا المجاهدين الذين يجاهدون في سبيل اللّه :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ
[ الصف : 4 ] . وقوله تعالى :
بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ
عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام ، أي :
هامش
( 1 ) أخرجه في المسند 3 / 104 و 235 .