تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 551

مساهمون:

ص٥٥١
وروى العوفي عن ابن عباس في الآية ؛ أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل مبعث محمد صلى اللّه عليه وسلم فتفرقوا . وحمل بعضهم الآية على أهل البدع وأهل الشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة . وآخر على الخوارج . وأسندوا في ذلك حديثا رفعوه . قال ابن كثير : وإسناد ذلك لا يصحّ . ثم قال : والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين اللّه وكان مخالفا له . فإن اللّه بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق . فمن اختلف فيه ( وكانوا شيعا ) أي فرقا كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات ، فإن اللّه تعالى قد برأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مما هم فيه ، وهذه الآية كقوله تعالى :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
الآية [ الشورى : 13 ] . وفي الحديث « 1 » نحن معاشر الأنبياء أولاد علّات . ديننا واحد . فهذا هو الصراط المستقيم ، وهو ما جاءت به الرسل من عبادة اللّه وحده لا شريك له ، والتمسك بشريعة الرسول المتأخر ، وما خالف ذلك فضلالات وجهالات وآراء وأهواء . والرسل برءاء منها كما قال اللّه تعالى :
لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ
؛ ثم قال : وقوله تعالى :
إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ
كقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
[ الحج : 17 ] . الآية . انتهى . و قد أخرج أبو داود « 2 » عن معاوية قال : قام فينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملّة . وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين . اثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة ، وهي الجماعة . ورواه الترمذي عن عبد اللّه بن عمرو ، وفيه : قالوا من هي يا رسول اللّه ؟ قال : من كان على ما أنا عليه وأصحابي . ثم بين لطفه سبحانه في حكمه وعدله يوم القيامة . فقال تعالى :

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 160 ]

مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 160 )
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في : الأنبياء ، 48 - بابوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها، حديث 1617 ونصه : عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقول « أنا أولى الناس بابن مريم . والأنبياء أولاد علّات . ليس بيني وبينه نبيّ » . ( 2 ) أخرجه أبو داود في : السنّة ، 1 - باب شرح السنة ، حديث رقم 4597 .