تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 548

مساهمون:

ص٥٤٨
الثانية : قال السيوطي في ( الإكليل ) : استدل المعتزلة بهذه الآية على أن الإيمان لا ينفع مع عدم كسب الخير فيه . وهو مردود . ففي الكلام تقدير . والمعنى : لا ينفع نفسا لم تكن آمنت من قبل ، إيمانها حينئذ ، ولا ينفع نفسا لم تكسب خيرا قبل ، توبتها حينئذ . وقال الشهاب السمين : قد أجاب الناس بأن المعنى في الآية إنه إذا أتى بعض الآيات لا ينفع نفسا كافرة ، إيمانها الذي أوقعته إذ ذاك . ولا ينفع نفسا سبق إيمانها ولم تكسب فيه خيرا . فقد علق نفي نفع الإيمان بأحد وصفين : إما نفي سبق الإيمان فقط ، وإما سبقه مع نفي كسب الخير . ومفهومه أنه ينفع الإيمان السابق وحده ، وكذا السابق ومعه الخير . ومفهوم الصفة قويّ فيستدل بالآية لمذهب أهل السنة . ويكون فيه قلب دليل المعتزلة ، دليلا عليهم . وأجاب ابن المنير في ( الانتصاف ) فقال : هذا الكلام من البلاغة يلقب ( اللف ) وأصله : يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا ، لم تكن مؤمنة قبل ، إيمانها بعد . ولا نفسا لم تكسب خيرا قبل ، ما تكتسبه من الخير بعد ، فلفّ الكلامين فجعلهما كلاما واحدا إيجازا . وبهذا التقرير يظهر أنها لا تخالف مذهب أهل الحق . فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير ولو نفع الإيمان المتقدم من الخلود . فهي بالرد على المعتزلة أولى من أن تدل لهم . وقال ابن الحاجب في ( أماليه ) : الإيمان قبل مجيء الآية نافع ولو لم يكن عمل صالح غيره ، ومعنى الآية : لا ينفع نفسا إيمانها ولا كسبها العمل الصالح ، لم يكن الإيمان قبل الآية ، أو لم يكن العمل مع الإيمان قبلها . فاختصر للعلم . ونقل الطيبيّ كلام الأئمة في ذلك . ثم قال : المعتمد ما قال ابن المنير وابن الحاجب . وبسطه : أن اللّه تعالى ، لما خاطب المعاندين بقوله تعالى :
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ . .
[ الأنعام : 155 ] الآية ، علل الإنزال بقوله :
أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ
[ الأنعام : 156 ] إلخ ، إزالة للعذر وإلزاما للحجة . وعقبه بقوله :
فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ
إلخ ، تبكيتا لهم وتقريرا لما سبق من طلب الاتباع . ثم قال
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ . . .
الآية . أي أنه أنزل هذا الكتاب المنير كاشفا لكل ريب وهاديا إلى الطريق المستقيم ورحمة من اللّه للخلق ، ليجعلوه زادا لمعادهم فيما يقدمونه من الإيمان والعمل الصالح . فجعلوا شكر النعمة أن كذبوا بها ومنعوا من الانتفاع بها . ثم قال :
هَلْ يَنْظُرُونَ . .
الآية . أي ما ينتظر هؤلاء المكذبون إلا أن يأتيهم عذاب الدنيا بنزول الملائكة بالعقاب الذي يستأصل شأفتهم . كما جرى لمن مضى من الأمم قبلهم .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 548 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود