تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 519

مساهمون:

ص٥١٩
يكون في ملكه إلّا ما يريد ، وهو خالق لأفعال العباد . ! وقد خالف في ذلك عامة القدرية - الذين سمّاهم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم مجوس هذه الأمة - فقالوا : لا إرادة إلّا بمعنى المشيئة ، وهو لم يرد إلا ما أمر به ، ولم يخلق شيئا من أفعال العباد . فعندهم أكثر ما يقع من أفعال العباد على خلاف إرادته تعالى . ولما كان قولهم هذا في غاية الشناعة . تبرأ منهم الصحابة . وأصل بدعتهم - كما قال ابن تيمية - كانت من عجز عقولهم عن الإيمان بقدر اللّه والإيمان بأمره ونهيه . وسنبيّن تحقيق ذلك بعد أن نورد شبهتهم في هذه الآية وندمغها - بعونه تعالى - بعدة وجوه فنقول : ( قالوا ) : إن اللّه تعالى حكى عن المشركين أنهم قالوا : أشركنا بإرادة اللّه تعالى . ولو أراد عدم إشراكنا لما أشركنا ، ولما صدر عنا تحريم المحللات فقد أسندوا كفرهم وعصيانهم إلى إرادته تعالى كما تزعمون أنتم . ثم إنه تعالى ردّ عليهم مقالتهم وبيّن بطلانها وذمّهم عليها وأوعدهم عليها وعيدا شديدا . فلو كان يجوز إضافة المشيئة إلى اللّه تعالى في ذلك ، على ما تضيفون أنتم ، لم يكن يردّ ذلك عليهم ويتوعّدهم ؟ ( قلنا ) : إنّ المشيئة في الآية تتخرّج على وجوه : أحدهما : ما قال الحسن والأصمّ - إن المشيئة هاهنا الرضا - فمرادهم : أنّ اللّه رضي بفعلنا وصنيعنا - حيث فعل آباؤنا مثل ما فعلنا - فلم يحل اللّه بينهم وبين ذلك ، ولا أخذ على أيديهم ، ولا منعهم عن ذلك ؛ فلو لم يرض بذلك عنهم لكان يمنعهم عنه ! قال أبو منصور : وإنما استدلوا بالرضا من اللّه والإذن فيما كانوا فيه ، أنهم كانوا يخوفون بالهلاك والعذاب على صنيعهم ، ثم رأوا آباءهم ماتوا على ذلك ولم يأتهم العذاب ، فاستدلوا بتأخير نزول العذاب عليهم على أنّ اللّه رضي بذلك . وبالجملة ، أرادوا بقولهم ذلك . أنهم على الحق المشروع المرضي عند اللّه . ولما كانت حجتهم داحضة باطلة - لأنها لو كانت صحيحة لما أذاقهم اللّه بأسه ودمّر عليهم وأدال عليهم رسله الكرام - قال تعالى :
قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا
أي : بأن اللّه راض عليكم فيما أنتم فيه ! وهذا من التهكّم والشهادة بأن مثل قولهم محال أن يكون له حجة . وفي ( الوجيز ) : الحاصل أن المشركين اعتقدوا عدم التفرقة بين المأمور
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 519 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود