تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠

ثم قال الشاطبيّ : فصل

وقد وقعت في القرآن تفاسير مشكلة يمكن أن تكون من هذا القبيل أو من قبيل الباطن الصحيح . وهي منسوبة لأناس من أهل العلم ، وربما نسب منها إلى السلف الصالح . فمن ذلك فواتح السور نحو : ألم ، والمص ، وحم ، ونحوها . فسرت بأشياء . منها ما يظهر جريانه على مفهوم صحيح ومنها ما ليس كذلك . فينقلون عن ابن عباس أن « ألم » أن ألف الله . ولام جبريل . وميم محمد صلى اللّه عليه وسلم . وهذا ، إن صح في النقل ، فمشكل . لأن هذا النمط من التصرف لم يثبت في كلام العرب هكذا مطلقا . وإنما أتى مثله إذا دل عليه الدليل اللفظيّ أو الحاليّ كما قال : ( قلت لها قفي فقالت قاف ) وقال : ( قالوا جميعا كلهم بلى فا ) وقال : ( لا أريد الشهر إلا أن تا ) والقول في « ألم » ليس هكذا . وأيضا فلا دليل من خارج يدل عليه . إذ لو كان له دليل لاقتضت العادة نقله ، لأنه من المسائل التي تتوفر الدواعي على نقلها لو صح أنه مما يفسر ويقصد تفهيم معناه . ولما لم يثبت شيء من ذلك دل على أنه من قبيل المتشابهات . فإن ثبت له دليل يدلّ عليه ، صير إليه . وقد ذهب فريق إلى أن المراد الإشارة إلى حروف الهجاء ، وأن القرآن منزل بجنس هذه الحروف وهي العربية . وهو أقرب من الأول . كما أنه نقل أن هذه الفواتح أسرار لا يعلم تأويلها إلا الله ، وهو أظهر الأقوال فهي من قبيل المشابهات . وأشار جماعة إلى أن المراد بها أعدادها . تنبيها على مدة هذه الملة . وفي السير ما يدل على هذا المعنى . وهو قول يفتقر إلى أن العرب كانت تعهد في استعمالها الحروف المقطعة أن تدل بها على أعدادها . وربما لا يوجد مثل هذا ، لها ، البتة ، وإنما كان أصله في اليهود حسبما ذكره أصحاب السير . فأنت ترى هذه الأقوال مشكلة إذا سبرناها بالمسبار المتقدم . وكذلك سائر الأقوال المذكورة في الفواتح مثلها في الإشكال وأعظم . ومع إشكالها فقد اتخذها جمع من المنتسبين إلى العلم ، بل إلى الاطلاع والكشف على حقائق الأمور ، حججا في دعا وادعوها على القرآن . وربما نسبوا شيئا من ذلك إلى عليّ بن أبي طالب ، وزعموا أنها أصل العلوم ، ومنبع المكاشفات على أحوال الدنيا والآخرة . وينسبون ذلك إلى أنه مراد اللّه تعالى في خطابه العرب الأمية التي لا تعرف شيئا من ذلك . وهو ، إذا سلم أنه مراد في تلك الفواتح في الجملة ، فما الدليل على
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 50 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود