تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
أنه مراد على كل حال من تركيبها على وجوه ، وضرب بعضها ببعض ، ونسبتها إلى الطبائع الأربع ، وإلى أنها الفاعلة في الوجود ، وأنها مجمل كل مفصل ، وعنصر كل موجود . ويرتبون في ذلك ترتيبا جميعه دعا ومحالة على الكشف والاطلاع . ودعوى الكشف ليس بدليل في الشريعة على حال ، كما أنه لا يعد دليلا في غيرها ، كما سيأتي بحول الله .

ثم قال الشاطبيّ : فصل

ومن ذلك أنه نقل عن سهل بن عبد الله في فهم القرآن أشياء مما يعد من باطنه . فقد ذكر عنه أنه قال في قوله تعالى :
فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً
[ البقرة : 22 ] أي أضدادا . قال : وأكبر الأنداد النفس الأمارة بالسوء ، الطواعة إلى حظوظها ومنهيها بغير هدى من الله . وهذا يشير إلى أن النفس الأمارة داخلة تحت عموم الأنداد ، حتى لو فصل لكن المعنى : فلا تجعلوا لله أندادا لا صنما ولا شيطانا ولا النفس ولا كذا . وهذا مشكل الظاهر جدا ، إذ كان مساق الآية ومحصول القرائن فيها يدل على أن الأنداد الأصنام أو غيرها مما كانوا يعبدون ، ولم يكونوا يعبدون أنفسهم ولا يتخذونها أربابا . ولكن له وجه جار على الصحة ، وذلك أنه لم يقل إن هذا هو تفسير الآية ، ولكن أتى بما هو ندّ في الاعتبار الشرعيّ الذي شهد له القرآن من جهتين : إحداهما : أن الناظر قد يأخذ من معنى الآية معنى من باب الاعتبار ، فيجريه له فيما لم تنزل فيه ، لأنه يجامعه في القصد أو يقاربه ، لأن حقيقة الندّ أنه المضاد لندّه ، الجاري على مناقضته . والنفس الأمارة هذا شأنها ، لأنها تأمر صاحبها بمراعاة حظوظها ، لاهية أو صادّة عن مراعاة حقوق خالقها . وهذا هو الذي يعني به الندّ في نده . لأن الأصنام نصبوها لهذا المعنى بعينه . وشاهد صحة هذا الاعتبار قوله تعالى :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ التوبة : 31 ] وهم لم يعبدوهم من دون الله ولكنهم ائتمروا بأوامرهم ، وانتهوا عما نهوهم عنه كيف كان . فما حرموا عليهم حرموه ، وما أباحوا لهم حللوه ، فقال الله تعالى :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
وهذا شأن المتبع لهوى نفسه . والثانية : أن الآية : وإن نزلت في أهل الأصنام ، فإن لأهل الإسلام فيها نظرا بالنسبة إليهم . ألا ترى أن عمر بن الخطاب قال لبعض من توسع في الدنيا من أهل
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 51 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود