تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
الله إليه لفظ العصيان ، ثم تاب عليه إنه هو التواب الرحيم . ومن ذلك أنه قال في قوله تعالى :
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ . . .
[ آل عمران : 96 ] الآية - باطن البيت قلب محمد صلى اللّه عليه وسلم ، يؤمن به من أثبت الله في قلبه التوحيد ، واقتدى بهدايته . وهذا التفسير يحتاج إلى بيان . فإن هذا المعنى لا تعرفه العرب . ولا فيه من جهتها وضع مجازيّ مناسب ، ولا يلائمه مساق بحال ، فكيف هذا ؟ والعذر عنه أنه لم يقع فيه ما يدل على أنه تفسير للقرآن . فزال الإشكال إذا . وبقي النظر في هذه الدعوى . ولا بد ، إن شاء الله ، من بيانها . ومنه قوله في تفسير قول اللّه تعالى :
يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ
[ النساء : 51 ] قال : رأس الطواغيت كلها النفس الأمارة بالسوء إذا خلا العبد معها للمعصية . وهو أيضا من قبيل ما قبله . وإن فرض أنه تفسير فعلى ما مر في قوله تعالى :
فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً
. وقال في قوله تعالى :
وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى . . .
[ النساء : 36 ] الآية - أما باطنها فهو القلب ، والجار الجنب النفس الطبيعي ، والصاحب بالجنب العقل المقتدي بعمل الشرع ، وابن السبيل الجوارح المطيعة لله عز وجل ، وهو من المواضع المشكلة في كلامه . ولغيره مثل ذلك أيضا . وذلك أن الجاري على مفهوم كلام العرب في هذا الخطاب ما هو الظاهر من أن المراد بالجار ذي القربى وما ذكر معه ما يفهم منه ابتداء . وغير ذلك لا يعرفه العرب . لا من آمن منهم ولا من كفر . والدليل على ذلك أنه لم ينقل عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين تفسير للقرآن يماثله أو يقاربه ، ولو كان عندهم معروفا لنقل ، لأنهم كانوا أحرى بفهم ظاهر القرآن وباطنه باتفاق الأئمة ، ولا يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها ، ولا هم أعرف بالشريعة منهم . ولا ، أيضا ، ثمّ دليل يدل على صحة التفسير لا من مساق الآية ، فإنه ينافيه ، ولا من خارج ، إذ لا دليل عليه كذلك . بل مثل هذا أقرب إلى ما ثبت رده ونفيه عن القرآن ، من كلام الباطنية ومن أشبههم . وقال في قوله :
صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ
[ النمل : 44 ] الصرح نفس الطبع ، والممرد الهوى . إذا كان غالبا ستر أنوار الهدى بالترك من الله تعالى العصمة لعبده . وفي قوله :
فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا
[ النمل : 52 ] أي قلوبهم عند