تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
الإيمان : أين تذهب بكم هذه الآية
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا
[ الأحقاف : 20 ] ؟ وكان هو يعتبر نفسه بها . وإنما أنزلت في الكفار لقوله :
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ
الآية ، ولهذا المعنى تقرير في العموم والخصوص . فإذا كان كذلك ، صح النزيل بالنسبة إلى النفس الأمارة في قوله :
فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً
والله أعلم .

ثم قال الشاطبيّ : فصل

ومن المنقول عن سهل أيضا في قوله تعالى :
وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ *
[ البقرة : 35 ] قال : لم يرد معنى الأكل في الحقيقة وإنما أراد معنى مساكنة الهمة لشيء هو غيره ، أي لا تهتم بشيء هو غيري . قال : فآدم لم يعصم من الهمة والتدبير فلحقه ما لحقه . قال : وكذلك كل من ادعى ما ليس له ، وساكن قلبه ، ناظرا إلى هوى نفسه ، لحقه الترك من الله ، مع ما جبلت عليه نفسه فيه ، إلا أن يرحمه الله فيعصمه من تدبيره ، وينصره على عدوه وعليها . قال : وآدم لم يعصم عن مساكنة قلبه إلى تدبير نفسه للخلود لما أدخل الجنة ، لأن البلاء في الفرع دخل عليه من أجل سكون القلب إلى ما وسوست به نفسه ، فغلب الهوى والشهوة والعلم والعقل بسابق القدر ، إلى آخر ما تكلم به . وهذا الذي ادعاه في الآية خلاف ما ذكره الناس من أن المراد النهي عن نفس الأكل ، لا عن سكون الهمة لغير الله ، وإن كان ذلك منهيّا عنه أيضا ، ولكن له وجه يجري عليه لمن تأول ، فإن النهي إنما وقع عن القرب لا غيره ، ولم يرد النهي عن الأول تصريحا ، فلا منافاة بين اللفظ وبين ما فسر به . وأيضا فلا يصح حمل النهي على نفس القرب مجردا . إذ لا مناسبة فيه تظهر ، ولأنه لم يقل به أحد ، وإنما النهي عن معنى القرب . وهو إما التناول والأكل ، وإما غيره ، وهو شيء ينشأ الأكل عنه ، وذلك مساكنة الهمة ، فإنه الأصل في تحصيل الأكل . ولا شك في أن السكون لغير الطلب نفع أو دفع ، منهيّ عنه . فهذا التفسير له وجه ظاهر ، فكأنه يقول : لم يقع النهي عن مجرد الأكل من حيث هو أكل ، بل عما ينشأ عنه الأكل من السكون لغير الله ، إذ لو انتهى لكان ساكنا لله وحده . فلما لم يفعل ، وسكن إلى أمر في الشجرة غرّه به الشيطان ، وذلك الخلد المدعى ، أضاف