تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
وحاصل هذا الكلام أن المراد بالظاهر هو المفهوم العربيّ ، والباطن هو مراد الله تعالى من كلامه وخطابه ، فإن كان مراد من أطلق هذه العبارة ما فسر ، فصحيح . ولا نزاع فيه . وإن أرادوا غير ذلك فهو إثبات أمر زائد على ما كان معلوما عند الصحابة ومن بعدهم ، فلا بد من دليل قطعيّ يثبت هذه الدعوى . لأنها أصل يحكم به على تفسير الكتاب . فلا يكون ظنيا . وما استدل به إنما غايته ، إذا صح سنده ، أن ينتظم في سلك المراسيل وإذا تقرر هذا فليرجع إلى بيانهما على التفسير المذكور بحول الله . وله أمثلة تبين معناه بإطلاق . فعن ابن عباس : كان عمر يدخلني مع أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم . فقال له عبد الرحمن بن عوف : أتدخله ولنا بنون مثله ؟ فقال له عمر : إنه من حيث تعلم . فسألني عن هذه الآية :
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
فقلت : إنما هو أجل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أعلمه إياه . وقرأ السورة إلى آخرها . فقال عمر : والله ما أعلم منها إلا ما تعلم . فظاهر هذه السورة أن الله أمر نبيه صلى اللّه عليه وسلم أن يسبح بحمد الله ويستغفره إذ نصره الله وفتح عليه . وباطنها أن الله نعى إليه نفسه . ولما نزل قوله تعالى :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . .
[ المائدة : 3 ] فرح الصحابة ، وبكى عمر وقال : ما بعد الكمال إلا النقصان . مستشعرا نعيه عليه السلام . فما عاش بعدها إلا أحدا وثمانين يوما . وقال تعالى :
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ . .
[ العنكبوت : 41 ] الآية . قال الكفار : ما بال العنكبوت والذباب يذكر في القرآن . ما هذا الكلام لإله فنزل
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها
[ البقرة : 26 ] فأخذوا بمجرد الظاهر ، ولم ينظروا في المراد . فقال تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ . . .
الآية . ويشبه ما نحن فيه نظر الكفار للدنيا واعتدادهم منها بمجرد الظاهر الذي هو لهو ولعب ، وظل زائل . وترك ما هو المقصود منها ، وهو كونها مجازا ومعبرا لا محل سكنى . وهذا هو باطنها على ما تقدم من التفسير . ولما قال تعالى :
عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ
[ المدثر : 27 و 30 ] نظر الكفار إلى ظاهر العدد . فقال أبو جهل ، فيما روي : لا يعجز كل عشر منكم أن يبطشوا برجل منهم . فبين الله تعالى باطن الأمر بقوله :
وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً . . .