تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
ليدخلكم الجنة . وفي الحديث قصة « 1 » . وفهم اليهود لم يزد على مجرد القول العربيّ الظاهر ، ثم حمل استقراض الرب الغنيّ على استقراض العبد الفقير ، عافانا اللّه من ذلك . من ذلك أن العبادات المأمور بها ، بل المأمورات والمنهيات كلها ، إنما طلب بها العبد شكرا لما أنعم الله به عليه ، ألا ترى قوله :
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
[ النحل : 78 ] وفي الأخرى :
قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ *
[ السجدة : 9 ] والشكر ضد الكفر ، فالأيمان وفروعه هو الشكر ، فإذا دخل المكلف تحت أعباء التكليف بهذا القصد ، فهو الذي فهم المراد من الخطاب ، وحصل باطنه على التمام ، وإن هو فهم من ذلك مقتضى عصمة ماله ودمه فقط . فهذا خارج عن المقصود وواقف مع ظاهر الخطاب . فإن الله قال :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ .
[ التوبة : 5 ] فالمنافق إنما فهم مجرد ظاهر الأمر من أن الدخول فيما دخل فيه المسلمون موجب لتخلية سبيلهم . فعملوا على الإحراز من عوادي الدنيا ، وتركوا المقصود من ذلك ، وهو الذي بينه القرآن من التعبد لله والوقوف على قدم الخدمة . فإذا كانت الصلاة تشعر بإلزام الشكر ، بالخضوع لله والتعظيم لأمره فيمن دخلها عرّيا من ذلك كيف يعد ممن فهم باطن القرآن ؟ وكذلك إذا كان له مال حال عليه الحول فوجب عليه شكر النعمة ببذل اليسير من الكثير عودا عليه بالمزيد ، فوهبه عند رأس الحول فرارا من أدائها لا قصد له إلا ذلك ، كيف يكون شاكرا للنعمة ؟ وكذلك من يضارّ الزوجة لتنفك له من المهر على غير طيب النفس لا يعدّ عاملا بقوله تعالى :
هامش
( 1 ) هذه قصة أبي الدحداح ذكرها الإمام الحافظ ابن كثير في تفسيره ونصها : قال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة . حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد اللّه بن الحارث عن عبد اللّه بن مسعود قال : لما نزلت هذه الآيةمَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ *قال أبو الدحداح الأنصاريّ : يا رسول اللّه ، وإن اللّه ليريد منا القرض ؟ قال نعم ، يا أبا الدحداح . قال : أرني يدك يا رسول اللّه ، قال فناوله يده . قال : فإني قد قرضت ربي حائطي . وله حائط فيه ستمائة نخلة ، وأم الدحداح فيه وعيالها . قال فجاء أبو الدحداح فناداها : يا أم الدحداح ! قالت : لبيك . قال : أخرجي فقد أقرضته ربي عز وجل ، وفي رواية أنها قالت له : ربح بيعك يا أبا الدحداح . ونقلت منه متاعها وصبيانها . وإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال « كم من عذق رداح ، في الجنة لأبي الدحداح » وفي لفظ « رب نخلة مدلاة ، عروقها در وياقوت ، لأبي الدحداح في الجنة » .