تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠
تركنا ومدلول اللفظ لاقتضى أن المصلي لا يجب عليه استقبال القبلة سفرا ولا حضرا ، وهو خلاف الإجماع . فلما عرف سبب نزولها علم أنها في نافلة السفر ، أو فيمن صلى بالاجتهاد وبان له الخطأ ، على اختلاف الروايات في ذلك . ومن ذلك قوله :
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ . . .
« 1 » [ البقرة : 158 ] الآية : فإن ظاهر لفظها لا يقتضي أن السعي فرض . وقد ذهب بعضهم إلى عدم فرضيته تمسكا بذلك . وقد ردت عائشة على عروة في فهمه ذلك بسبب نزولها ، وهو أن الصحابة تأثموا من السعي بينهما ، لأنه من عمل الجاهلية ، فنزلت . ومنها رفع توهم الحصر . قال الشافعي ما معناه في قوله تعالى
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً . . .
[ الأنعام : 145 ] الآية : إن الكفار لما حرموا ما أحل الله . وكانوا على المضادة والمحادة ، فجاءت الآية مناقضة لغرضهم ، فكأنه قال : لا حلال إلا ما حرمتموه ولا حرام إلا ما أحللتموه ، نازلا منزلة من يقول : لا تأكل اليوم حلاوة ، فتقول : لا آكل اليوم إلا الحلاوة ، والغرض المضادة ، لا النفي والإثبات على الحقيقة . فكأنه تعالى قال : لا حرام إلا ما حللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير اللّه به ، ولم يقصد حل ما وراءه ، إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل . قال إمام الحرمين : وهذا في غاية الحسن ، ولولا سبق الشافعيّ إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك في حصر المحرمات فيما ذكرته الآية ، وتعيين المبهم فيها . ولقد قال مروان في عبد الرحمن بن أبي بكر : إنه الذي أنزل فيه ،
وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما
[ الأحقاف : 17 ] حتى ردت عليه عائشة وبينت له سبب نزولها « 2 » .
هامش
( 1 ) جاء في البخاري ، في التفسير ، سورة البقرة ، باب إن الصفا والمروة من شعائر اللّه . عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال : قلت لعائشة ، زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأنا يومئذ حديث السن : أرأيت قول اللّه تعالى :إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما. فما أرى على أحد شيئا أن لا يطّوّف بهما ، فقالت عائشة : كلا . لو كان كما تقول كانت : فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما . ( 2 ) أخرجه البخاريّ ، في التفسير ، سورة الأحقاف ، بابوَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما. عن يوسف بن ماهك قال : كان مروان على الحجاز . استعمله معاوية . فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه . فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا . فقال : خذوه ، فدخل بيت عائشة فلم يقدروا . فقال مروان : إن هذا الذي أنزل اللّه فيه :وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما. فقالت عائشة ، من وراء الحجاب : ما أنزل اللّه فينا شيئا من القرآن ، إلا أن اللّه أنزل عذري .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 20 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود