تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
في خطبة خطبها : والله ! لقد علم أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم أني من أعلمهم بكتاب الله . و قال في حديث آخر : والذي لا إله غيره ! ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت ، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم أنزلت ، ولو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني ، تبلغه الإبل ، لركبت إليه « 1 » . وهذا يشير إلى أن علم الأسباب من العلوم التي يكون العالم بها عالما بالقرآن . وعن الحسن أنه قال : ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيما أنزلت ، وما أراد بها . وهو نص في الموضع مشير إلى التحريض على تعلم علم الأسباب . وعن ابن سيرين قال : سألت عبيدة عن شيء من القرآن ، فقال : اتق الله وعليك بالسداد ، فقد ذهب الذين يعلمون فيم أنزل القرآن . وعلى الجملة فهو ظاهر بالمزاولة لعلم التفسير . انتهى . وقال ولي الله الدهلويّ في الفوز الكبير : ومن المواضع الصعبة معرفة أسباب النزول . ووجه الصعوبة فيها خلاف المتقدمين والمتأخرين . والذي يظهر من استقراء كلام الصحابة والتابعين ، أنهم لا يستعملون « نزلت في كذا » لمحض قصة كانت في زمنه صلى اللّه عليه وسلم ، وهي سبب نزول الآية . بل ربما يذكرون بعض ما صدقت عليه الآية مما كان في زمنه صلى اللّه عليه وسلم ، أو بعده صلى اللّه عليه وسلم . ويقولون : « نزلت في كذا » ولا يلزم هناك انطباق جميع القيود ، بل يكفي انطباق أصل الحكم فقط . وقد يقررون حادثة تحققت في تلك الأيام المباركة ، واستنبط صلى اللّه عليه وسلم حكمها من آية ، وتلاها في ذلك الباب ، ويقولون : « نزلت في كذا » وربما يقولون : في هذه الصورة ، فأنزل الله قوله كذا ، فكأنه إشارة إلى أنه استنباطه صلى اللّه عليه وسلم . وإلقاؤها في تلك الساعة بخاطره المبارك أيضا ، نوع من الوحي والنفث في الروع . فلذلك يمكن أن يقال : فأنزلت ، ويمكن أن يعبر في هذه الصورة بتكرار النزول . ويذكر المحدثون في ذيل آيات القرآن كثيرا من الأشياء ليست من قسم سبب النزول في الحقيقة . مثل استشهاد الصحابة في مناظراتهم بآية ، أو تمثيلهم بآية ، أو تلاوته صلى اللّه عليه وسلم آية للاستشهاد في كلامه الشريف ، أو رواية حديث وافق الآية في أصل الغرض ، أو تعيين موضع النزول ، أو تعيين أسماء
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري : قال عبد اللّه رضي اللّه عنه : واللّه الذي لا إله غيره ! ما أنزلت سورة من كتاب اللّه إلا وأنا أعلم أين أنزلت . ولا أنزلت آية في كتاب اللّه إلا وأنا أعلم فيم أنزلت . ولو أعلم أحدا أعلم منبي بكتاب اللّه ، تبلغه الإبل ، لركبت إليه .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 23 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود