ضعيفه ، عامته مما لا فائدة فيه ، ولا حاجة بنا إلى معرفته . وذلك كاختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف ، واسمه ، وفي البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة ، وفي قدر سفينة نوح وخشبها ، وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر ، ونحو ذلك . فهذه الأمور طريق العلم بها النقل ، فما كان منه منقولا نقلا صحيحا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قبل .
وما لا ، بأن نقل عن أهل الكتاب ، ككعب ووهب ، وقف عن تصديقه وتكذيبه .
لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إذا حدثكم أهل الكتاب ، فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم »
، وكذا ما نقل عن بعض التابعين ، وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب . فمتى اختلف التابعون ، لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض ، وما نقل في ذلك عن الصحابة نقلا صحيحا ، فالنفس إليه أسكن مما ينقل عن التابعين ، لأن احتمال أن يكون سمعه من النبي صلى اللّه عليه وسلم ومن بعض من سمعه منه أقوى ، ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين . ومع جزم الصحابيّ بما يقوله ، كيف يقال إنه أخذه عن أهل الكتاب وقد نهوا عن تصديقهم ؟
وأما القسم الذي يمكن معرفة الصحيح منه ، فهذا موجود كثير ولله الحمد ، وإن قال الإمام أحمد : ثلاثة ليس لها أصل : التفسير والملاحم والمغازي ، وذلك لأن الغالب عليها المراسيل .
وأما ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل ، فهذا أكثر ما فيه من الخطأ من جهتين حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان ، فإن التفاسير التي يذكر فيها كلام هؤلاء صرفا ، لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين ، مثل تفسير عبد الرزاق والفريابيّ ووكيع وعبد وإسحاق وأمثالهم . أخذها قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها .
( والثاني ) قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان من الناطقين بلغة العرب ، من غير نظر المتكلم بالقرآن والمنزل عليه والمخاطب به ، فالأولون راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان .
والآخرون راعوا مجرد اللفظ وما يجوز أن يراد به العربيّ من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم ، وسياق الكلام . ثم هؤلاء كثيرا ما يغلطون في احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة ، كما يغلط في ذلك الذين قبلهم ، كما أن الأولين كثيرا ما يغلطون في صحة المعنى الذي فسروا به القرآن ، كما يغلط في ذلك الآخرون ، وإن كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق ، ونظر الآخرين إلى اللفظ أسبق . والأولون صنفان : تارة
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 17
مساهمون: محمد جمال الدين القاسمي
ص١٧