تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
يختلف فهمه بحسب حالين ، وبحسب مخاطبين ، وبحسب غير ذلك . كالاستفهام لفظه واحد ، ويدخله معان أخر ، من تقرير وتوبيخ وغير ذلك . وكالأمر يدخله معنى الإباحة والتهديد والتعجيز وأشباهها . ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة . وعمدتها مقتضيات الأحوال . وليس كل حال ينقل ، ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول . وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة ، فات فهم الكلام جملة ، أو فهم شيء منه . ومعرفة الأسباب رافعة لكل مشكل في هذا النمط ، فهي من المهمات في فهم الكتاب بلا بد . ومعنى معرفة السبب هو معنى معرفة مقتضى الحال . وينشأ عن هذا الوجه . الوجه الثاني : وهو أن الجهل بأسباب التنزيل موقع في الشبه والإشكالات ، مورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال ، حتى يقع الاختلاف ، وذلك مظنة وقوع النزاع . ويوضح هذا المعنى ما روى أبو عبيد عن إبراهيم التيميّ ، قال : خلا عمر ذات يوم ، فجعل يحدث نفسه : كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد ؟ ! فأرسل إلى ابن عباس فقال : كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد ، وقبلتها واحدة ؟ ! فقال ابن عباس : يا أمير المؤمنين ! إنّا أنزل القرآن علينا فقرأناه ، وعلمنا فيم نزل . وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرءون القرآن ولا يدرون فيم نزل ، فيكون لهم فيه رأي ، فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا ، اقتتلوا . قال فزجره عمر وانتهره ! فانصرف ابن عباس . ونظر عمر فيما قال ، فعرفه ، فأرسل إليه فقال : أعد عليّ ما قلت . فأعاده عليه ، فعرف عمر قوله وأعجبه . وما قاله صحيح في الاعتبار ، ويتبين بما هو أقرب . فقد روى ابن وهب عن بكير أنه سأل نافعا : كيف كان رأي ابن عمر في الحرورية ؟ قال : يراهم شرار خلق الله ، إنهم انطلقوا إلى آيات أنزلت في الكفار ، فجعلوها على المؤمنين . فهذا معنى الرأي الذي نبه ابن عباس عليه ، وهو الناشئ عن الجهل بالمعنى الذي نزل فيه القرآن . ثم ساق الشاطبيّ نحو ما تقدم عن ابن تيمية مطولا ، وقال في آخر البحث ، وهذا شأن أسباب النزول في التعريف بمعاني المنزل ، بحيث لو فقد ذكر السبب ، لم يعرف من المنزل معناه على الخصوص ، دون تطرق الاحتمالات ، وتوجه الإشكالات . و قد قال عليه السلام : خذوا القرآن من أربعة ، منهم عبد الله بن مسعود « 1 » . و قد قال
هامش
( 1 ) أخرجه البخاريّ في فضائل القرآن باب القراء من أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . عن مسروق : ذكر عبد اللّه ابن عمرو ، عبد اللّه بن مسعود فقال : لا أزال أحبه . سمعت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يقول : « خذوا القرآن من أربعة : من عبد اللّه بن مسعود ، وسالم ، ومعاذ ، وأبيّ بن كعب » .