تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
[ الروم : 49 ] ، فإن تقديره عند بعضهم : وإن كانوا من قبل إنزال القطر عليهم ، من قبل إنزاله ، لمبلسين . فأكد
قَبْلِ
الأولى ب
قَبْلِ
الثانية . وهذا لا اهتمام فيه ، فإنه معلوم أن اليأس من نزول المطر كان محققا قبل الإنزال ، فلا حاجة - في مثل هذا - إلى التأكيد . وقدّر آخرون : وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبل إرسال الرياح ، أو من قبل إثارة السحاب لمبلسين ، فعلى هذا لا يكون تكريرا ولا تأكيدا . وعود الضمائر إلى المصادر التي دلت عليها الأفعال ، ولم تذكر معها - كثير في القرآن وفصيح الكلام . مثاله : قوله :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
[ المائدة : 8 ] فعاد الضمير إلى العدل الذي دلّ عليه
اعْدِلُوا
. ومثله قوله :
فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً
[ المائدة : 106 ] ، أي : لا نشتري بالقسم الذي دلّ عليه قوله :
فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ
. وأما قوله :
إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى
[ الليل : 12 ] ، ففيه ثلاث تأكيدات : ( أحدها ) إنّ ، و ( الثاني ) اللام في للهدى ، و ( الثالث ) تقديم الخبر ، فإن العرب لا يقدمون إلا ما يعتنون به ويهتمون . ومثله قوله
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ *
[ الأنعام : 99 ] ، وقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً *
[ النازعات : 26 ] ، أكد ب ( إنّ واللام وتقديم الخبر ) . وقد يتوهم التأكيد فيما ليس بتأكيد في مثل قوله
تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ
[ البقرة : 196 ] ، فإنه لم يرد كمالها في العدد ، ولو أراده لكان تأكيدا ، وإنما أراد كمالها في صفتها ، فإن كمال الصيام في تتابعه . بدليل وجوب المتابعة حيث أمرنا بها فيه ، فلما تقرر في الشريعة أن متابعة الصوم أفضل من تفريقه ، وقيدت هذه الأيام بالتفريق ، فقد يظن ظانّ أنها ناقصة لتفريقها ، وأن كمالها في تتابعها - أخبر أن كمال هذه الأيام في تفريقها لا في تتابعها . ويحتمل أن يريد ، بالكاملة ، كمال الصوم بترك الرفث والفسوق ، وترك المشاتمة ، وغير ذلك مما يكون اجتنابه أو فعله مكملا للصوم ، فإن العبادات تنقسم إلى كاملة وناقصة . فالناقصة ما اقتصر فيها على أركانها وشرائطها ، والكاملة ما أتى فيها بالأركان والشرائط والسنن . وأعلم أن للتفسير أحكاما وضروبا ، فمن ذلك : فهم معنى اللفظ : وهو منقسم إلى ثلاثة أقسام : ( أحدها ) ما يعرفه العامة والخاصة كالأرض والسماء والجبال والأشجار والأمطار . ( القسم الثاني ) ما يعرفه معظم الخاصة كالمعاد والملاذ . ( القسم الثالث ) ما يعرفه القليل من الخاصة كالرفرف والصفصف .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 162 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود