تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
وكذلك تكرير الوعد والوعيد ، وكذلك تكرير ذكر الأحكام ، وكذلك تكرير المدح والذم ، وما يترتب على المأمورات والمنهيات من المؤكدات المذكورات . فتكرير الوعد يدل على الاهتمام بفعل الطاعات ترغيبا في ثوابها . وتكرير الوعيد يدلّ على الاهتمام بترك المخالفات ترهيبا من عقابها . وتكرير القرآن بين الوعد والوعيد يدلّ على الاهتمام بوقوف العباد بين الخوف والرجاء ، فلا يقنطوا من رحمة الله وأفضاله ، ولا يغترّوا بحلمه وإمهاله . وتكرير الأحكام يدلّ على الاعتناء بفعل الطاعات واجتناب المخالفات . وتكرير الأمثال يدلّ على الإيضاح والبيان . وتكرير تذكير النعم يدلّ على الاعتناء بشكرها . واعلم أنه لا تؤكد العرب إلا ما تهتم به ، فإن من اهتم بشيء أكثر ذكره . وكلما عظم الاهتمام كثر التأكيد . وكلما خفّ ، خفّ التأكيد . وإن توسط الاهتمام ، توسط التأكيد . فإذا قال القائل : زيد قائم ، فقد أخبر بقيامه . فإن أراد تأكيد ذلك ، عند من شك فيه ، أو يكذبه ، أو ينازعه فيه ، أكّده فقال : إن زيدا قائم . فإذا جاء ب ( إن ) فكأنه قال : زيد قائم ، زيد قائم . فإن زاد في التأكيد قال : إن زيدا لقائم ، فيصير بمثابة ما لو قال : زيد قائم ، ثلاث مرات . أمثلة ذلك : قوله :
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ * وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ
[ الكافرون : 1 - 4 ] ، تأكيد لقوله تعالى :
لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ
. وقوله :
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ *
تأكيد لقوله
وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ
. لمّا وقع الاهتمام بأنه لا يوافقهم على عبادة الأصنام ، وبأن الله قد حرمهم أن يدخلوا في دين الإسلام - أكّد ذينك لشدة الاهتمام بهما . فهذا تأكيد واحد لكل واحد من الخبرين . وعلى الجملة : فقد أكد نفي عبادته لأصنامهم بقوله :
وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ
وأكّد نفي عبادتهم لمعبوده بقوله
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ *
وإن حمل ذلك على وقتين مختلفين ، فلا تأكيد إذن . ومثال تكرير التأكيد قوله تعالى :
أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ * كَلَّا . . .
[ التكاثر : 1 - 4 ] المعنى : ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد عن الاستعداد للمعاد ، ثم زجرهم عن التكاثر بقوله
كَلَّا
ثم هددهم بقوله :
سَوْفَ تَعْلَمُونَ
. ثم أكد الزجر الأول ب
كَلَّا
الثانية ، ثم أكد التهديد ب
سَوْفَ تَعْلَمُونَ
، ثم أكد الزجر ب « كلّا الثالثة » فزجرهم ثلاث مرات للاهتمام بزجرهم عن ذلك . وهددهم على ذلك مرتين للاهتمام بالاستعداد للمعاد .