تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
ومثل هذا قوله تعالى :
عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ . . .
[ النبأ : 1 - 5 ] ، زجرهم ب « كلا » الأولى عن التساؤل والاختلاف ، ثم أكد كلّا الأولى بكلّا الثانية وتهددهم فيما بينهما بقوله بعد :
سَيَعْلَمُونَ
ثم أكد هذا التهديد بقوله بعد : ( كلا ) الثانية
سَيَعْلَمُونَ
. وأما تكرير قوله :
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ *
[ المرسلات : 19 - 24 - 28 ] ، فيجوز أن يكون ما عدا الكلمة الأولى تأكيدا لها ، وأن تتكرر العدة بالويل على من كذب ، بقوله :
إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ
. ويجوز أن يريد بكلّ عدة من عذاب الويل من كذب بما بين عدتي كل ويل . وأما قوله :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ *
[ الرحمن : 13 - 16 - 18 ] فيجوز أن تكون مكررة على جميع أنعمه ، ويجوز أن يراد بكل واحدة منهنّ ما وقع بينها وبين التي قبلها من نعمة ، ويجوز أن يراد بالأولى ما تقدمها من النعم ، وبالثانية ما تقدّمها ، وبالثالثة ما تقدم على الأولى والثانية ، وبالرابعة ما تقدم على الأولى والثانية والثالثة . . . وهكذا إلى آخر السورة . فإن قيل : كيف يكون قوله
سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ
[ الرحمن : 31 ] نعمة ، وقوله :
يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ
[ الرحمن : 41 ] نعمة ؟ وكذلك قوله :
هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ
[ الرحمن : 43 ] ، وقوله :
يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ
[ الرحمن : 35 ] ، وقوله
يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ
؟ قلنا : هذه كلها نعم جسام ، لأن اللّه هدد العباد بها استصلاحا لهم ليخرجوا من حيز الكفر والطغيان والفسوق والعصيان ، إلى حيّز الطاعة والإيمان والانقياد والإذعان ، فإن من حذّر من طرق الردى وبيّن ما فيها من الأذى ، وحثّ على طرق السلامة الموصلة إلى المثوبة والكرامة ، كان منعما غاية الإنعام ، ومحسنا غاية الإحسان . ومثل ذلك قوله :
هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ
[ يس : 52 ] ، وعلى هذا تصلح فيه مناسبة الربط بذكر صفة الرحمة في ذلك المقام . وأما قوله :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
[ الرحمن : 26 ] فإنه تذكير بالموت والفناء للترغيب في الإقبال على العمل لدار البقاء ، وفي الإعراض عن دار الفناء . وأما قوله :
وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ