تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
حظّ لهم فيها . قالوا : يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا كان أهون في عذابنا . قال الله : ذلك أردت بكم . إذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين متواضعين ، وإذا خلوتم بارزتموني بالعظائم . أجللتم الناس ولم تجلّوني . وعظمتم الناس ولم تعظموني . وخفتم الناس ولم تخافوني . فاليوم أذيقكم أليم عذابي كما حرمتكم جزيل ثوابي . ذكره ابن أبي الدنيا وغيره . ومن الأمثلة المشهورة لمن يثبت المجاز في القرآن :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[ يوسف : 82 ] المراد به أهلها . فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . فقيل لهم : لفظ القرية والمدينة والنهر والميراث وأمثال هذه الأمور التي فيها الحال والمحل ، وكلاهما داخل في الاسم ، ثم قد يعود الحكم على الحال ، وهو السكان . وتارة على المحل ، وهو المكان ، وكذلك في النهر يقال : حفرت النهر ، وهو المحل . وجرى النهر ، وهو الماء . ووضعت الميزاب ، وهو المحل . وجرى الميزاب ، وهو الماء . وكذلك القرية . قال تعالى :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً
[ النحل : 112 ] وقوله :
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ
[ الأعراف : 4 - 5 ] ، وقال في آية أخرى :
أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ
[ الأعراف : 97 ] فجعل القرى هم السكان . وقال :
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ
[ محمد : 13 ] ، وهم السكان . وكذلك قوله :
وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً
[ الكهف : 59 ] ، وقال تعالى :
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
[ البقرة : 259 ] ، فهذا المكان ، لا السكان . لكن لا بد أن يلحظ أنه كان مسكونا . فلا يسمى قرية إلا إذا كان قد عمر للسكنى . فمأخوذ من القرى وهو الجمع . ومنه قولهم : قريت الماء في الحوض ، إذا جمعته فيه . ونظير ذلك لفظ الإنسان يتناول الجسد والروح . ثم الأحكام يتناول هذا تارة وهذا تارة لتلازمهما . فكذلك القرية ، إذا عذب أهلها خربت . وإذا خربت كان عذابا لأهلها . فما يصيب أحدهما من الشر ينال الآخر . كما ينال البدن والروح ما يصيب أحدهما . فقوله :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[ يوسف : 82 ] ، مثل قوله :
قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً
[ النحل : 112 ] ، فاللفظ هنا يراد ( به ) السكان من غير إضمار ولا حذف . فهذا بتقدير أن يكون في اللغة مجاز ، فلا مجاز في القرآن . بل وتقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز تقسيم مبتدع محدث . لم ينطق به السلف . والخلف فيه على قولين . وليس النزاع فيه لفظيا . بل يقال نفس هذا التقسيم باطل .