تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
السواد والبياض والطول والقصر إلا مقيدا بالأسود والأبيض والطويل والقصير . ونحو ذلك . لا مجردا عن كل قيد . وإنما يوجد مجردا في كلام المصنفين في اللغة . لأنهم فهموا من كلام أهل اللغة ما يريدون به من القدر المشترك . ومنه قوله تعالى :
فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
[ النحل : 112 ] ، فإن من الناس من يقول : الذوق حقيقة في الذوق بالفم . واللباس مما يلبس على البدن . وإنما استعير هذا وهذا . وليس كذلك بل قال الخليل : الذوق في لغة العرب هو وجود طعم الشيء . والاستعمال يدل على ذلك . قال تعالى :
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ
[ السجدة : 21 ] ، وقال
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
[ الدخان : 49 ] ، وقال :
فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها
[ الطلاق : 9 ] ، وقال :
قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ *
[ الأنعام : 30 ] ،
فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ *
[ القمر : 37 ] ،
لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى
[ الدخان : 56 ] ،
لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً * إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً
[ النبأ : 24 - 25 ] ، وقال النبي : « ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا » « 1 » وفي بعض الأدعية : أذقنا برد عفوك وحلاوة مغفرتك . فلفظ الذوق يستعمل في كل ما يحس به ويجد ألمه أو لذته ، فدعوى المدعى اختصاص لفظ الذوق بما يكون بالفم - تحكم منه . لكن ذاك مقيد . فيقال : ذقت الطعام وذقت هذا الشراب . فيكون معه من القيود ما يدل على أنه ذوق بالفم . وإذا كان الذوق مستعملا فيما يحسّه الإنسان بباطنه أو بظاهره ، حتى الماء الحميم ، يقال : ذاقه . فالثوب إذا كان باردا أو حارا ، يقال : ذقت حره وبرده . وأما لفظ اللباس ، وهو مستعمل في كل ما يغشى الإنسان فيلتبس به . قال تعالى :
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً
[ النبأ : 10 ] ، وقال :
وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ
[ الأعراف : 26 ] ، وقال :
هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ
[ البقرة : 187 ] . ومنه يقال : لبس الحق بالباطل ، إذا خلط به حتى غشاه فلم يتميز . فالجوع الذي يشمل ألمه جميع الجائع ، نفسه وبدنه ، وكذلك الخوف الذي يلبس البدن ، لو قيل : فأذاقها الله الجوع والخوف ، لم يدل ذلك على أنه شامل بجميع أجزاء الجائع . بخلاف ما إذا قيل : لباس الجوع والخوف . ولو قال : فألبسهم - لم يكن فيه ما يدل على أنهم ذاقوا ما يؤلمهم ، إلا بالعقل . من حيث إنه يعرف الجائع الخائف يألم . بخلاف لفظ ذوق الجوع والخوف . فإن هذا اللفظ يدل على الإحساس بالمؤلم . وإذا أضيف إلى الملذ دلّ على
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الإيمان ، حديث 56 .