تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
الإحساس به . كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيّا » . فإن قيل : فلم لم يصف نعيم الجنة بالذوق ؟ قيل : لأن الذوق يدل على جنس الإحساس . ويقال : ذاق الطعام لمن وجد طعمه وإن لم يأكله . وأهل الجنة نعيمهم كامل تام لا يقتصر فيه على الذوق . بل استعمل لفظ الذوق في النفي . كما قال عن أهل النار :
لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً
[ النبأ : 24 ] أي لا يحصل لهم من ذلك ولا ذوق . وقال عن أهل الجنة :
لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى
[ الدخان : 56 ] . وكذلك ما ادعوا أنه مجاز في القرآن : لفظ المكر والاستهزاء والسخرية المضاف إلى الله . وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله ، عن طريق المجاز . وليس كذلك . بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة كانت ظلما له . وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجنيّ عليه ، عقوبة بمثل فعله - كانت عدلا . كما قال تعالى :
كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ
[ يوسف : 76 ] ، فكاد له كما كادت إخوته ، لما قال له أبوه :
لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً
[ يوسف : 5 ] . وقال تعالى :
إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً
[ الطارق : 15 - 16 ] ، وقال :
وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ
[ النمل : 50 - 51 ] ، وقال :
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ
[ التوبة : 79 ] . ولهذا كان الاستهزاء بهم فعلا يستحق هذا الاسم . كما روي عن ابن عباس : أنه يفتح لهم باب من الجنة وهم في النار فيسرعون إليه فيغلق . ثم يفتح لهم باب آخر فيسرعون إليه فيغلق . فيضحك منهم المؤمنون . قال تعالى :
فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ
[ المطففين : 34 - 36 ] . وعن الحسن البصريّ : إذا كان يوم القيامة خمدت النار لهم كما تخمد الإهالة . فيمشون . فيخسف بهم . وعن مقاتل : إذا ضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب فيبقون في الظلمة . فيقال لهم : ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا . وقال بعضهم : استهزاؤه استدراجه لهم . وقيل : إيقاع استهزاء بهم وردّ خداعهم ومكرهم عليهم . وقيل : إنه يظهر لهم في الدنيا خلاف ما أبطن في الآخرة . وقيل : هو تجهيلهم وتخطئتهم فيما فعلوه . وهذا كله حق . وهو استهزاء بهم حقيقة . وفي بعض الآثار : أن الله سبحانه يأمر بناس من الناس إلى الجنة ، حتى إذا رأوها وشاهدوا ما فيها من الكرامة ، قال الله لملائكته : اصرفوهم عنها . لا