تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
فتكون تلك القيود ممتنعة الإطلاق . فتبين أنه ليس لمن فرق بين الحقيقة والمجاز فرق معقول يمكن التمييز بين نوعين . فعلم أن هذا التقسيم باطل . وحينئذ فكل لفظ موجود في كتاب اللّه ورسوله ، فإنه مقيّد بما يبين معناه . فليس في شيء من ذلك مجاز . بل كله حقيقة . ولهذا لما ادعى كثير من المتأخرين أن في القرآن مجازا ، وذكروا ما يشهد لهم ، رد عليهم المنازعون جميع ما ذكروه . فمن أشهر ما ذكروه قوله تعالى :
جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ
[ الكهف : 77 ] ، قالوا : والجدار ليس بحيوان والإرادة إنما تكون للحيوان . فاستعمالها في ميل الجدار مجاز . فقيل لهم : لفظ الإرادة قد استعمل في الميل الذي يكون معه شعور . وهو ميل الحيّ . وفي الميل الذي لا شعور فيه . وهو ميل الجماد . وهو من مشهور اللغة . يقال : هذا السقف يريد أن يقع . وهذه الأرض تريد أن تحرث . وهذا الزرع يريد أن يسقى . وهذا الثمر يريد أن يقطف وهذا الثوب يريد أن يغسل . وأمثال ذلك . واللفظ إذا استعمل في معنيين فصاعدا ، فإما أن يجعل حقيقة في أحدهما ، مجازا في الآخر ، أو حقيقة فيما يختص به كل منهما فيكون مشتركا اشتراكا لفظيا ، أو حقيقة في القدر المشترك بينهما . وهي الأسماء المتواطئة وهي الأسماء العامة كلها . وعلى الأول يلزم المجاز . وعلى الثاني يلزم الاشتراك . وكلاهما خلاف الأصل . فوجب أن يجعل من المتواطئة . وبهذا يعرف عموم الأسماء العامة كلها . وإلا فلو قال قائل في ميل الجماد : حقيقة ، وفي ميل الحيوان : مجاز ، لم يكن بين الدعويين فرق ، إلا كثرة الاستعمال في ميل الحيوان . لكن يستعمل مقيدا بما يبين أنه أريد ميل الجماد . والقدر المشترك بين مسميات الأسماء المتواطئة أمر كلّي عام . لا يوجد كليّا عاما إلا في الذهن . وهو مورد التقسيم بين الأنواع . لكن ذلك المعنى العام الكليّ كان أهل اللغة لا يحتاجون إلى التعبير عنه . لأنهم إنما يحتاجون إلى ما يوجد في الخارج . وإلى ما يوجد في القلوب في العادة . وما لا يكون في الخارج إلا مضافا إلى غيره ، لا يوجد في الذهن مجردا . بخلاف لفظ الإنسان والفرس ، فإنه لما كان يوجد في الخارج غير مضاف تعودت الأذهان ، ومسمى الفرس بخلاف تصور مسمى الإرادة ، ومسمى العلم ومسمى القدرة ومسمى الوجود المطلق العام . فإن هذا لا يوجد في اللغة لفظ مطلق يدل عليه . بل لا يوجد لفظ الإرادة إلا مقيدا بالمريد . ولا لفظ العلم إلا مقيدا بالعالم ، ولا لفظ القدرة إلا مقيدا بالقادر . بل وهكذا سائر الأعراض ، لمّا لم توجد إلا في محالها مقيدة بها ، لم يكن في اللغة لفظ إلا كذلك . فلا يوجد في اللغة لفظ
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 148 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود