تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
لا يتميز هذا عن هذا . ولهذا كان كل ما يذكرونه من الفروق يبين أنها فروق باطلة . وكلما ذكر بعضهم فرقا أبطله الثاني . كما يدعي المنطقيون أن الصفات القائمة بالموصوفات تنقسم اللازمة لها إلى داخل في ماهيتها الثابتة في الخارج وإلى خارج عنها لازم للماهية ولازم خارج للوجود . وذكروا ثلاثة فروق كلها باطلة . لأن هذا التقسيم باطل لا حقيقة له . بل ما يجعلونه داخلا يمكن جعله خارجا وبالعكس . كما قد بسط في موضعه . وقولهم : اللفظ إن دل بلا قرينة فهو حقيقة ، وإن لم يدل إلا معها فهو مجاز - قد تبين بطلانه ، وأنه ليس في الألفاظ الدالة ما يدل مجردا عن جميع القرائن . ولا فيها ما يحتاج إلى جميع القرائن . وأشهر أمثلة المجاز لفظ الأسد والحمار والبحر ونحو ذلك ، مما يقولون : إنه استعير للشجاع والبليد والجواد . وهذه لا تستعمل إلا مؤلفة مركبة مقيدة بقيود لفظية . كما تستعمل الحقيقة . كقول أبي بكر الصديق عن أبي قتادة « 1 » ، لما طلب غيره سلب القتيل : لاها الله ، إذا تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فنعطيك سلبه . فقوله : تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ، وصف له بالقوة بالجهاد في سبيله . وقد عيّنه تعينا أزال اللبس . وكذلك قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن خالدا سيف من سيوف الله ، سلّه الله على المشركين » « 2 » وأمثال ذلك . وإن قال القائل : القرائن اللفظية موضوعة ، ودلالتها على المعنى حقيقة ، لكن القرائن الحالية مجاز . قيل : اللفظ لا يستعمل قط إلا مقيدا بقيود لفظية موضوعة والحال حال المتكلم والمستمع ، لا بد من اعتباره في جميع الكلام . فإنه إذا عرف المتكلم ، فهم من معنى كلامه ما لا يفهم إذا لم يعرف . لأنه بذلك يعرف عادته في خطابه . واللفظ إنما يدل إذا عرف لغة المتكلم التي بها يتكلم . وهي عادته وعرفه التي يعتادها في خطابه . ودلالة اللفظ على المعنى دلالة قصدية إرادة اختيارية . فالمتكلم يريد دلالة اللفظ على المعنى . فإذا اعتاد أن يعبر باللفظ عن المعنى كانت تلك لغة . ولهذا كل من كان له عناية بألفاظ الرسول ومراده بها ، عرف عادته في خطابه . وتبين له من مراده ما لا يتبين لغيره . ولهذا ينبغي أن يقصد ، إذا ذكر لفظ من القرآن والحديث ، أن يذكر نظائر ذلك اللفظ ماذا عنى بها
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في فرض الخمس ، باب من لم يخمس الأسلاب ، ومن قتل قتيلا فله سلبه . ( 2 ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده . حديث 43 ، أن أبا بكر عقد لخالد بن الوليد على قتال أهل الردة ، وقال : إني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : نعم العبد وأخو العشيرة خالد بن الوليد ، وسيف من سيوف اللّه ، سلّه اللّه عز وجل على الكفار والمنافقين .