تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
عنوه بها من المعاني . فإن ادعى مدّع أنه يعلم وضعا يتقدم ذلك فهو مبطل ، فإن هذا لم ينقله أحد من الناس . ولا يقال نحن نعلم ذلك بالدليل ، فإنه - إن لم يكن اصطلاح متقدم - لم يمكن الاستعمال . قيل : ليس الأمر كذلك ، بل نحن نجد أن الله يلهم الحيوان من الأصوات ما به يعرف بعضها مراد بعض ، وقد سمي ذلك منطقا وقولا في قول سليمان :
عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ
[ النمل : 16 ] ، وفي قوله :
« قالَتْ نَمْلَةٌ : يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ
[ النمل : 18 ] ، وفي قوله :
يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ
[ سبأ : 10 ] . وكذلك الآدميون ، فالمولود إذا ظهر منه التمييز سمع أبويه ، أو من يربيه ، ينطق باللفظ ، ويشير إلى المعنى ، فصار يفهم أن ذلك اللفظ يستعمل في ذلك المعنى - أي أراد المتكلم به ذلك المعنى - ثم هذا يسمع لفظا بعد لفظ حتى يعرف لغة القوم الذين نشأ بينهم من غير أن يكونوا قد اصطلحوا معه على وضع متقدم . بل ولا فقهوه على معاني الأسماء . وإن كان أحيانا قد يسأل عن مسمى بعض الأشياء فيوقف عليها . كما يترجم للرجل اللغة التي لا يعرفها فيوقف على معاني ألفاظها ، وإن باشر أهلها مدة ، علم ذلك بلا توقيف من أحد . نعم ، قد يضع الناس الاسم لما يحدث ، مما لم يكن من قبلهم يعرفه فيسميه ، كما يولد لأحدهم فيسميه اسما إما منقولا أو مرتجلا . وقد يكون المسمّي واحدا لم يصطلح مع غيره . وقد يستوون فيما يسمونه . وكذلك قد يحدث الرجل آلة من صناعة ، أو يصنّف كتابا ، أو يبني مدينة . ونحو ذلك فيسميه باسم ، لأنه ليس من الأجناس المعروفة حتى يكون له اسم في اللغة العامة . وقد قال تعالى :
الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ
[ الرحمن : 1 - 4 ] ،
قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ
[ فصلت : 21 ] ، وقال :
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى
[ الأعلى : 2 - 3 ] وهو سبحانه يلهم الإنسان المنطق كما يلهم غيره . وهو سبحانه ، إذا كان قد علّم آدم الأسماء كلها ، وعرض المسميات على الملائكة - كما أخبر بذلك في كتابه - . فنحن نعلم أنه لم يعلّم آدم جميع اللغات التي يتكلم بها جميع الناس إلى يوم القيامة ، وأن تلك اللغات اتصلت إلى أولاده فلا يتكلّمون إلا بها . . . فإن دعوى هذا كذب ظاهر . . . ! فإن آدم ، عليه السلام ، إنما ينقل عنه بنوه . وقد أغرق الله ، عام الطوفان ، جميع ذريته إلا من في السفينة . وأهل السفينة انقطعت ذريتهم إلا أولاد نوح . ولم يكونوا يتكلّمون بجميع ما تكلمت به الأمم بعدهم . فإن اللغة الواحدة : كالفارسية ، والعربية ، والرومية ، والتركية . . فيها من الاختلاف والأنواع ما لا يحصيه إلا الله . والعرب أنفسهم ، لكلّ قوم لغات لا يفهمها غيرهم . فكيف يتصور