تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
أو تقسيم دلالتها ، أو المعاني المدلول عليها ، إن استعمل لفظ الحقيقة والمجاز في المدلول أو في الدالة ، فإنّ هذا كلّه قد يقع في كلام المتأخرين . ولكنّ المشهور أنّ الحقيقة والمجاز من عوارض الألفاظ . وبكلّ حال ، فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة . لم يتكلم به أحد من الصحابة ، ولا التابعين لهم بإحسان ، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم : كمالك ، والثوريّ ، والأوزاعيّ ، وأبي حنيفة والشافعيّ ، بل ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو : كالخليل ، وسيبويه ، وأبي عمرو بن العلاء . . . ونحوهم . وأول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز ، أبو عبيدة معمر بن المثنّى في كتابه . ولكن لم يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة ، وإنما عنى ، بمجاز الآية ، بما يعبّر به عن الآية . ولهذا ، قال : من قال من الأصوليين كأبي الحسين البصريّ وأمثاله : إنه يعرف الحقيقة من المجاز بطرق : منها نص أهل اللغة على ذلك ، بأن يقولوا : هذا حقيقة وهذا مجاز - فقد تكلم بلا علم . فإنه ظنّ أنّ أهل اللغة قالوا هذا . ولم يقل ذلك أحد من أهل اللغة ولا من سلف الأمة وعلمائها . وإنما هذا اصطلاح حادث ، والغالب أنّه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين . فإنه لم يوجد هذا في كلام أحد من أهل الفقه والأصول والتفسير والحديث ونحوهم من السلف . وهذا الشافعي هو أول من جرّد الكلام في أصول الفقه ، ولم يقسم هذا التقسيم ، ولا تكلم بلفظ الحقيقة والمجاز . وكذلك محمد بن الحسن له في المسائل المبنيّة على العربية كلام معروف في الجامع الكبير وغيره ، ولم يتكلم بلفظ الحقيقة ، والمجاز . وكذلك سائر الأئمة لم يوجد لفظ المجاز في كلام أحد منهم إلّا في كلام أحمد بن حنبل ، فإنه قال في كتاب « الردّ على الجهمية » في قوله : إنّا ، ونحن ، ونحو ذلك في القرآن : هذا من مجاز اللغة . يقول الرجل : إنا سنعطيك ، إنا سنفعل ، فذكر أن هذا من مجاز اللغة . وبهذا احتج على مذهبه من أصحابه من قال : إن في القرآن مجازا : كالقاضي أبي يعلى ، وابن عقيل ، وأبي الخطاب ، وغيرهم . وآخرون من أصحابه منعوا أن يكون في القرآن مجاز : كأبي الحسن الجزريّ ، وأبي عبد الله بن حامد ، وأبي الفضل التميميّ بن أبي الحسن التميميّ . وكذلك منع أن يكون في القرآن مجاز ، محمد بن جرير مندار وغيره من المالكية ، ومنع منه داود بن عليّ ، وابنه أبو بكر ، ومنذر بن سعيد البلّوطي وصنف فيه مصنفا . وحكى بعض الناس عن أحمد - في ذلك - روايتين . وأما سائر الأئمة فلم يقل أحد منهم ، ولا من قدماء أصحاب أحمد : إنّ في القرآن مجازا - لا مالك ولا الشافعي ولا أبو حنيفة . فإن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجا