تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
أقرب اللغات إلى العربية ، حتى إنها أقرب إليها من لغة بعض العجم إلى بعض . فبالجملة : نحن ليس غرضنا إقامة الدليل على عدم ذلك ، بل يكفينا أن يقال : هذا غير معلوم وجوده ، بل الإلهام كاف في النطق باللغات من غير مواضعة متقدمة . وإذا سمّي هذا توقيفا ، فليسمّى توقيفا ، وحينئذ فمن ادعى وضعا متقدما على استعمال جميع الأجناس ، فقد قال ما لا علم به ، وإنما المعلوم بلا ريب هو الاستعمال . ثم هؤلاء يقولون : تتميّز الحقيقة من المجاز بالاكتفاء باللفظ ، فإذا دل اللفظ بمجرّده فهو حقيقة ، وإذا لم يدل إلا مع القرينة فهو مجاز . وهذا أمر متعلق باستعمال اللفظ في المعنى لا بوضع متقدم . ثم يقال ثانيا : هذا التقسيم لا حقيقة له ، وليس لمن فرّق بينهما حدّ صحيح يميز به بين هذا وهذا . فعلم أن هذا التقسيم باطل ، وهو تقسيم من لم يتصور ما يقول : بل يتكلم بلا علم ، فهم مبتدعة في الشرع ، مخالفون للعقل . وذلك أنهم قالوا : الحقيقة اللفظ المستعمل فيما وضع له ، والمجاز هو المستعمل في غير ما وضع له ، احتاجوا إلى إثبات الوضع السابق على الاستعمال . وهذا يتعذّر . ثم هم يقسمون الحقيقة إلى : لغوية وعرفية ، وأكثرهم يقسمها إلى ثلاث : لغوية وشرعية وعرفية . فالحقيقة هي ما صار اللفظ فيها دالا على المعنى بالعرف لا باللغة . وذلك المعنى يكون تارة أعمّ من اللغويّ ، وتارة أخصّ ، وتارة لا يكون مباينا له ، لكن بينهما علاقة استعمل لأجلها . ( فالأول ) مثل لفظ : الرقبة والرأس ونحوهما . كان يستعمل في العضو المخصوص ، ثم صار يستعمل في جميع البدن . ( والثاني ) مثل : الدابة ونحوها . كان يستعمل في كل ما دبّ ، ثم صار يستعمل ، في عرف بعض الناس ، في ذوات الأربع . وفي عرف بعض الناس ، في الفرس . وفي عرف بعضهم ، في الحمار . و ( الثالث ) مثل لفظ : الغائط ، والظعينة ، والراوية ، والمزادة . فإن الغائط - في اللغة - هو المكان المنخفض من الأرض . فلما كانوا ينتابونه لقضاء حوائجهم ، سمّوا ما يخرج من الإنسان باسم محلّه . والظعينة اسم للدابة ، ثم سموا المرأة التي تركبها باسمها ، ونظائر ذلك . والمقصود : أن هذه الحقيقة العرفية لم تصر حقيقة لجماعة تواطؤوا على نقلها ، ولكن تكلم بها بعض الناس وأراد بها ذلك المعنى العرفيّ . ثمّ شاع الاستعمال فصارت حقيقة عرفية بهذا الاستعمال . ولهذا زاد ، من زاد منهم ، في حد الحقيقة : في اللغة التي بها التخاطب ، ثم هم يعلمون ويقولون : إنه قد يغلب