تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
النّساء في أحد العوضين يقتضي الزيادة ويدخل فيه بحكم المعنى « السلف يجر نفعا » . وذلك لأن بيع هذا الجنس بمثله في الجنس من باب بدل الشيء بنفسه . لتقارب المنافع فيما يراد منها . فالزيادة على ذلك من باب إعطاء عوض على غير شيء ، وهو ممنوع . والأجل في أحد العوضين لا يكون عادة إلا عند مقارنة الزيادة به في القيمة . إذ لا يسلم الحاضر في الغائب إلا ابتغاء ما هو أعلى من الحاضر في القيمة . وهو الزيادة . ويبقى النظر : لم جاز مثل هذا في غير النقدين والمطعومات ، ولم يجز فيهما ؟ محل نظر . يخفى وجهه على المجتهدين . وهو من أخفى الأمور التي لم يتضح معناها إلى اليوم . فلذلك بينتها السنة . إذ لو كانت بينة لو كل في الغالب أمرها إلى المجتهدين ، كما وكل إليهم النظر في كثير من محال الاجتهاد . فمثل هذا جار مجرى الأصل والفرع في القياس . فتأمله . والثاني : أن الله تعالى حرم الجمع بين الأم وابنتها في النكاح ، وبين الأختين . وجاء في القرآن :
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ
[ النساء : 24 ] ، فجاء نهيه عليه السلام عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها من باب القياس ، لأن المعنى الذي لأجله ذمّ الجمع بين أولئك موجود هنا . وقد يروى في هذا الحديث « فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم » « 1 » . والتعليل يشعر بوجه القياس . والثالث : أن الله تعالى وصف الماء الطهور بأنه أنزله من السماء ، وأنه أسكنه في الأرض ولم يأت مثل ذلك في ماء البحر . فجاءت السنة بإلحاق ماء البحر بغيره من المياه بأنه « الطهور ماؤه ، الحلّ ميتته » « 2 » . والرابع : أن الدية في النفس ، ذكرها الله تعالى في القرآن . ولم يذكر ديات الأطراف . وهي مما يشكل قياسها على العقول . فبيّن الحديث من دياتها ما وضح به السبيل وكأنه جار مجرى القياس الذي يشكل أمره . فلا بد من الرجوع إليه ، ويحذى حذوه . والخامس : أن الله تعالى ذكر الفرائض المقدرة من النصف والربع والثمن والثلث والسدس . ولم يذكر ميراث العصبة إلا ما أشار إليه قوله في الأبوين :
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ
[ النساء : 11 ] الآية وقوله في الأولاد :
لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ *
[ النساء : 11 ]
هامش
( 1 ) أخرج البخاري في النكاح ، باب لا تنكح المرأة على عمتها : عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها » . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الطهارة ، باب الوضوء بماء البحر ، حديث 83 . .