تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
عمله على خلاف ما أراد بكلامه . وعصى رسوله في مقتضى بيانه . فلم يلزم من إفراد الطاعتين تباين المطاع فيه بإطلاق ، وإذا لم يلزم ذلك لم يكن في الآيات دليل على أن ما في السنة ليس في الكتاب . بل قد يجتمعان في المعنى . ويقع العصيانان والطاعتان من جهتين . ولا محال فيه . ويبقى النظر في وجود ما حكم به رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم في القرآن . يأتي على أثر هذا بحول الله تعالى . وقوله في السؤال : فلا بد أن يكون زائدا عليه ، مسلّم . ولكن هذا الزائد هل هو زيادة الشرح على المشروح إذا كان للشرح بيان ليس في المشروح ، وإلا لم يكن شرحا . أم هو زيادة معنى آخر لا يوجد في الكتاب ؟ هذا محل النزاع . وعلى هذا المعنى يتنزل الوجه الثاني . وأيضا فإذا كان الحكم في القرآن إجماليّا ، وهو في السنة تفصيليّ فكأنه ليس إياه . فقوله :
أَقِيمُوا الصَّلاةَ *
أجمل ما فيه معنى الصلاة وبيّنه عليه السلام . فظهر من البيان ما لم يظهر من المبيّن ، وإن كان معنى البيان هو معنى المبين ولكنهما في الحكم يختلفان . ألا ترى أن الوجه في المجمل قبل البيان ، التوقف ، وفي البيان العمل بمقتضاه ؟ فلما اختلفا حكما صار كاختلافهما معنى . فاعتبرت السنة اعتبار المفرد عن الكتاب . وأما الثالث فسيأتي الجواب عنه في المسألة بعد هذا إن شاء الله . وأما الرابع فإنما وقع الخروج عن السنة في أولئك لمكان إعمالهم الرأي واطراحهم السنن ، لا من جهة أخرى . وذلك أن السنة ، كما تبين ، توضح المجمل وتقيّد المطلق وتخصص العموم . فتخرج كثيرا من الصيغ القرآنية عن ظاهر مفهومها في أصل اللغة . وتعلم بذلك أن بيان السنة هو مراد الله تعالى من تلك الصيغ . فإذا طرحت واتبع ظاهر الصيغ بمجرد الهوى صار صاحب هذا النظر ضالا في نظره ، جاهلا بالكتاب ، خابطا في عمياء ، لا يهتدي إلى الصواب فيها . إذ ليس للعقول من إدراك المنافع والمضار في التصرفات الدنيوية إلا النزر اليسير . وهي في الأخروية أبعد على الجملة والتفصيل . وأمّا ما احتجوا به من الحديث ، فإن لم يصح في النقل فلا حجة به لأحد من الفريقين . وإن صح أو جاء من طريق يقبل مثله فلا بد من النظر فيه . فإن الحديث إما وحي من الله صرف ، وإمّا اجتهاد من الرسول عليه السلام معتبر بوحي صحيح من كتاب أو سنة . وعلى كلا التقديرين لا يمكن فيه التناقض مع كتاب الله . لأنه عليه