تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
على أخيه . وهنا آثار في هذا المعنى حملها العلماء على تأويل القرآن بالرأي مع طرح السنن . وعليه حمل كثير من العلماء قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء . حتى إذا لم يبق عالما ، اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا » « 1 » وما في معناه . فإن كثيرا من أهل البدع هكذا فعلوا . اطرحوا الأحاديث وتأولوا كتاب الله على غير تأويله فضلوا وأضلوا . وربما ذكروا حديثا يعطي أن الحديث لا يلتفت إليه إلا إذا وافق كتاب الله تعالى . وذلك ما روي أنه عليه السلام قال : « ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله . فإن وافق كتاب الله فأنا قلته وإن خالف كتاب الله فلم أقله أنا . وكيف أخالف كتاب الله وبه هداني الله ؟ » . قال عبد الرحمن بن مهديّ : الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث . قالوا : وهذه الألفاظ لا تصح عنه صلّى اللّه عليه وسلّم عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه . وقد عارض هذا الحديث قوم فقالوا : نحن نعرضه على كتاب الله قبل كل شيء ونعتمد على ذلك . قالوا : فلما عرضناه على كتاب الله وجدناه مخالفا لكتاب الله . لأنا لم نجد في كتاب الله أن لا نقبل من حديث رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم إلا ما وافق كتاب الله ، بل وجدنا كتاب الله يطلق التأسّي به والأمر بطاعته ويحذر من المخالفة عن أمره ، جملة على كل حال . هذا مما يلزم القائل أن السنة راجعة إلى الكتاب . ولقد ضلت بهذه الطريقة طوائف من المتأخرين كما كان ذلك فيمن تقدم . فالقول بها ، والميل إليها ميل عن الصراط المستقيم . أعاذنا الله من ذلك بمنه . فالجواب إن هذه الوجوه المذكورة لا حجة فيها على خلاف ما تقدم . أما الوجه الأول فلأنا إذا بنينا على أن السنة بيان للكتاب فلا بد أن تكون بيانا لما في الكتاب احتمال له ولغيره . فتبيّن السنة أحد الاحتمالين دون الآخر . فإذا عمل المكلف على وفق البيان أطاع الله فيما أراد بكلامه وأطاع رسوله في مقتضى بيانه . ولو عمل على مخالفة البيان عصى الله تعالى في عمله على مخالفة البيان . إذ صار
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في العلم ، باب كيف يقبض العلم : عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن اللّه لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد . ولكن يقبض العلم بقبض العلماء . حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا ، فسئلوا فأفتوا بغير علم ، فضلوا ، وأضلوا » .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 112 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود