تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
[ المائدة : 3 ] وهو يريد بإنزال القرآن . فالسنة إذا ، في حصول الأمر ، بيان لما فيه . وذلك معنى كونها راجعة إليه . وأيضا فالاستقراء التام دل على ذلك . حسبما يذكر بعد ، بحول الله . وقد تقدم في أول كتاب الأدلة أن السنة راجعة إلى الكتاب وإلا وجب التوقف عن قبولها . وهو أصل كاف في هذا المقام . فإن قيل هذا غير صحيح من أوجه : أحدها أن الله تعالى قال :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ
[ النساء : 65 ] الآية . والآية نزلت في قضاء رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم للزبير بالسقي قبل الأنصاريّ من شراج الحرّة . الحديث « 1 » مذكور في الموطأ ، وذلك ليس في كتاب الله تعالى . ثم جاء في عدم الرضى به من الوعيد ما جاء . وقال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
[ النساء : 59 ] والرد إلى الله هو الرد إلى الكتاب ، والرد إلى الرسول هو الرد إلى سنته ، بعد موته . وقال :
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا
[ المائدة : 92 ] وسائر ما قرن فيه طاعة الرسول بطاعة الله ، فهو دال على أن طاعة الله ما أمر به ونهى عنه في كتابه . وطاعة الرسول ما أمر به ونهى عنه مما جاء به مما ليس في القرآن . إذ لو كان في القرآن لكان من طاعة الله . وقال :
فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ
[ النور : 63 ] الآية ، فقد اختص الرسول عليه السلام بشيء يطاع فيه ، وذلك السنة التي لم تأت في القرآن . وقال :
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
[ النساء : 80 ] ، وقال :
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
[ الحشر : 7 ] . وأدلة القرآن تدل على أن كل ما جاء به الرسول وكل ما أمر به ونهى فهو لاحق في الحكم بما جاء في القرآن ، فلا بد أن يكون زائدا عليه . والثاني : الأحاديث الدالة على ذمّ ترك السنة واتباع الكتاب ، إذ لو كان ما في السنة موجودا في الكتاب ، لما كانت السنة متروكة على حال . كما روي أنه عليه
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الشرب والمساقاة ، باب سكر الأنهار . عن عروة عن عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما أنه حدثه أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في شراج الحرّة التي يسقون بها النخل . فقال الأنصاري : سرّح الماء يمرّ . فأبى عليه . فاختصما عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للزبير : أسق يا زبير ، ثم أرسل الماء إلى جارك . فغضب الأنصاري فقال : أن كان ابن عمتك ؟ فتلوّن وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم قال : اسق يا زبير ، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر . فقال الزبير : واللّه ! إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك :فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ.
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 109 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود