تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
أَيْدِيَهُما
[ المائدة : 38 ] بأن القطع من الكوع ، وأن المسروق نصاب فأكثر من حرز مثله ، فذلك هو المعنى المراد من الآية . لا أن نقول : إن السنة أثبتت هذه الأحكام دون الكتاب . كما إذا بين لنا مالك أو غيره من المفسرين معنى آية أو حديث ، فعملنا بمقتضاه ، فلا يصح لنا أن نقول : إنا عملنا بقول المفسر الفلانيّ ، دون أن نقول : عملنا بقول الله أو قول رسوله عليه السلام ، وهكذا سائر ما بينته السنة من كتاب الله تعالى . فمعنى كون السنة قاضية على الكتاب أنها مبيّنة له . فلا يوقف مع إجماله واحتماله . وقد بينت المقصود منه لا أنها مقدمة عليه . وأما خلاف الأصوليين في التعارض ، فقد مر أن خبر الواحد إذا استند إلى قاعدة مقطوع بها فهو في العمل مقبول . وإلا فالتوقف . وكونه مستندا إلى مقطوع به راجع إلى أنه جزئي تحت معنى قرآنيّ كلّي . فإذا عرضنا هذا الموضع على تلك القاعدة وجدنا المعارضة في الآية والخبر معارضة أصلين قرآنيّين . فيرجع إلى ذلك . وخرج عن معارضة كتاب مع سنة . وعند ذلك لا يصح وقوع هذا التعارض إلا من تعارض قطعيّين . وأما إن لم يستند الخبر إلى قاعدة قطعية فلا بد من تقديم القرآن على الخبر بإطلاق . وأيضا فإن ما ذكر من تواتر الأخبار إنما غالبه فرض أمر جائز . ولعلك لا تجد في الأخبار النبوية ما يقضي بتواتره إلى زمان الواقعة . فالبحث المذكور في المسألة بحث في غير واقع . أو في نادر الوقوع . ولا كبير جدوى فيه . والله أعلم . ثم قال الشاطبيّ : السنة راجعة في معناها إلى الكتاب . فهي تفصيل مجمله وبيان مشكله وبسط مختصره . وذلك لأنها بيان له . وهو الذي دل عليه قوله تعالى :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
فلا تجد في السنة أمرا إلا والقرآن قد دل على معناه دلالة إجمالية أو تفصيلية . وأيضا فكل ما دل على أن القرآن هو كلية الشريعة وينبوع لها ، فهو دليل على ذلك . ولأن الله قال :
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
[ القلم : 4 ] وفسرت عائشة ذلك بأن خلقه القرآن . واقتصرت في خلقه على ذلك . فدل على أن قوله وفعله وإقراره راجع إلى القرآن ، لأن الخلق محصور في هذه الأشياء . ولأن الله جعل القرآن تبيانا لكل شيء . فيلزم من ذلك أن تكون السنة حاصلة فيه في الجملة . لأن الأمر والنهي أول ما في الكتاب . ومثله قوله :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
[ الأنعام : 38 ] ، وقوله :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ