تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
يكن في كتاب الله ، وكان عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال به . وهو كثير في كلام السلف والعلماء .

مطلب في ملحظ تفرقة الحنفية بين الفرض والواجب

وما فرق به الحنفية بين الفرض والواجب راجع إلى تقدم اعتبار الكتاب على اعتبار السنة ، وأن اعتبار الكتاب أقوى من اعتبار السنة . وقد لا يخالف غيرهم في معنى تلك التفرقة . والمقطوع به في المسألة أن السنّة ليست كالكتاب في مراتب الاعتبار . فإن قيل : هذا مخالف لما عليه المحققون . أما أولا : فإن السنة عند العلماء قاضية على الكتاب وليس الكتاب بقاض على السنة ، لأن الكتاب يكون محتملا لأمرين فأكثر ، فتأتي السنة بتعيين أحدهما فيرجع إلى السنة ويترك مقتضى الكتاب . وأيضا فقد يكون ظاهر الكتاب أمرا فتأتي السنة فتخرجه عن ظاهره . وهذا دليل على تقديم السنة . وحسبك أنها تقيّد مطلقه وتخصّ عمومه وتحمله على غير ظاهره حسبما هو مذكور في الأصول . فالقرآن آت بقطع كل سارق . فخصّت السنة من ذلك سارق النصاب المحرز . وأتى بأخذ الزكاة من جميع الأموال ظاهرا . فخصّته بأموال مخصوصة . وقال تعالى :
وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ
[ النساء : 24 ] ، فأخرجت من ذلك نكاح المرأة على عمتها أو خالتها . فكل هذا ترك لظواهر الكتاب وتقديم للسنة عليه . ومثل ذلك لا يحصى كثرة . وأما ثانيا : فإن الكتاب والسنة إذا تعارضا ، فاختلف أهل الأصول : هل يقدم الكتاب على السنة ، أم بالعكس ، أم هما متعارضان ؟ وقد تكلم الناس في حديث معاذ ورأوا أنه على خلاف الدليل . فإن كان ما في الكتاب لا يقدم على كل السنة فإن الأخبار المتواترة لا تضعف في الدلالة عن أدلة الكتاب . وأخبار الآحاد في محل الاجتهاد مع ظواهر الكتاب ، ولذلك وقع الخلاف وتأولوا التقديم في الحديث على معنى البداية بالأسهل الأقرب ، وهو الكتاب . فإذا كان الأمر على هذا فلا وجه لإطلاق القول بتقديم الكتاب ، بل المتبع الدليل . فالجواب أن قضاء السنة على الكتاب ليس بمعنى تقديمها عليه واطراح الكتاب . بل إن ذلك المعبر في السنة هو المراد في الكتاب ، فكأنّ السنة بمنزلة التفسير والشرح لمعاني أحكام الكتاب ، ودل على ذلك قوله :
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
[ النحل : 44 ] فإذا حصل بيان قوله تعالى :
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 107 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود