تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
تبين وصف البشرية وما تنازعوا فيه منها . وبأيّ وجه تكون على أكمل وجوهها ، حتى تستحق الاصطفاء والاجتباء من الله تعالى ، فافتتحت السورة بثلاث جمل : إحداها ، وهي الآكد في المقام ، بيان الأوصاف المكتسبة للعبد . التي إذا اتصف بها رفعه الله وأكرمه . وذلك قوله :
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
إلى قوله :
هُمْ فِيها خالِدُونَ
[ المؤمنون : 1 - 11 ] والثانية بيان أصل التكوين للإنسان وتطويره الذي حصل له ، جاريا على مجاري الاعتبار والاختيار . بحيث لا يجد الطاعن ، إلى من هذا حاله ، سبيلا . والثالثة . بيان وجوه الإمداد له من خارج بما يليق به في التربية والرفق والإعانة على إقامة الحياة . وإن ذلك له بتسخير السماوات والأرض وما بينهما . وكفى بهذا تشريفا وتكريما . ثم ذكرت قصص من تقدم مع أنبيائهم واستهزائهم بهم بأمور . منها كونهم من البشر . ففي قصة نوح مع قومه قولهم :
ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ
[ المؤمنون : 24 ] . ثم أجمل ذكر قوم آخرين أرسل فيهم رسولا منهم ، أي من البشر ، لا من الملائكة : فقالوا
ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ
[ المؤمنون : 33 ] الآية
وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ
[ المؤمنون : 34 ] . ثم قالوا :
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
[ المؤمنون : 38 ] أي هو من البشر . ثم قال تعالى :
ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا ، كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ
[ المؤمنون : 44 ] فقوله :
رَسُولُها
مشيرا إلى أن المراد رسولها الذي تعرفه منها . ثم ذكر موسى وهارون وردّ فرعون وملئه بقولهم :
أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا
[ المؤمنون : 47 ] إلخ . هذا كله حكاية عن الكفار الذين غضوا من رتبة النبوءة بوصف البشرية ، تسلية لمحمد عليه السّلام . ثم بيّن أن وصف البشرية للأنبياء لا غضّ فيه ، وأن جميع الرسل إنما كانوا من البشر ، يأكلون ويشربون ، كجميع الناس ، والاختصاص أمر آخر من الله تعالى . فقال بعد تقرير رسالة موسى :
وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً
[ المؤمنون : 50 ] وكانا مع ذلك يأكلان ويشربان . ثم قال :
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ
[ المؤمنون : 51 ] أي هذا من نعم الله عليكم ، والعمل الصالح شكر تلك النعم ، ومشرّف للعامل به . فهو الذي يوجب التخصيص ، لا الأعمال السيئة . وقوله :
وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً
[ المؤمنون : 52 ] إشارة إلى التماثل بينهم وأنهم جميعا مصطفون من البشر . ثم ختم هذا المعنى بنحو مما به بدأ فقال :
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ
إلى قوله :
وَهُمْ لَها سابِقُونَ
[ المؤمنون : 57 - 61 ] . وإذا تأمل هذا النمط من أول السورة إلى هنا ، فهم أن ما ذكر من المعنى هو
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 97 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود