تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
المقصود مضافا إلى المعنى الآخر . وهو أنهم إنما قالوا ذلك وغضوا من الرسل بوصف البشرية استكبارا من أشرافهم وعتوّا على الله ورسوله . فإن الجملة الأولى من أول السورة تشعر بخلاف الاستكبار وهو التعبد لله بتلك الوجوه المذكورة . والجملة الثانية مؤذنة بأن الإنسان منقول في أطوار العدم وغاية الضعف . فإن التارات السبع أتت عليه . وهي كلها ضعف إلى ضعف . وأصله العدم . فلا يليق ، بمن هذه صفته ، الاستكبار . والجملة الثالثة مشعرة بالاحتياج إلى تلك الأشياء والافتقار إليها . ولولا خلقها لم يكن للإنسان بقاء بحكم العادة الجارية . فلا يليق بالفقير الاستكبار على من هو مثله في النشأة والخلق . فهذا كله كالتنكيت عليهم . والله أعلم . ثم ذكر القصص في قوم نوح
فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ
[ المؤمنون : 24 ] ، والملأ هم الأشراف ، وكذلك فيمن بعدهم
وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ
[ المؤمنون : 33 ] الآية . وفي قصة موسى :
أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ
[ المؤمنون : 47 ] ومثل هذا الوصف يدل على أنهم ، لشرفهم في قومهم ، قالوا هذا الكلام . ثم قوله :
فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ
[ المؤمنون : 54 ] إلى قوله :
لا يَشْعُرُونَ
رجوع إلى وصف أشراف قريش وأنهم إنما تشرفوا بالمال والبنين . فرد عليهم بأن الذي يجب له الشرف من كان على هذا الوصف ، وهو قوله :
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ
[ المؤمنون : 57 ] ثم رجعت الآيات إلى وصفهم في ترفهم وحال مآلهم وذكر النعم عليهم والبراهين على صحة النبوءة ، وأن ما قال عن الله حقّ من إثبات الوحدانية ونفي الشريك وأمور الدار الآخرة للمطيعين والعاصين ، حسبما اقتضاه الحال والوصف للفريقين . فهذا النظر ، إذا اعتبر كليا في السورة ، وجد على أتم من هذا الوصف . لكن على منهاجه وطريقه . ومن أراد الاعتبار في سائر سور القرآن فالباب مفتوح . والتوفيق بيد الله . فسورة المؤمنين قصة واحدة في شيء واحد . وبالجملة ، فحيث ذكر قصص الأنبياء ، عليهم السّلام ، كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى وهارون ، فإنما ذلك تسلية لمحمد عليه السّلام وتثبيت لفؤاده ، لما كان يلقى من عناد الكفار وتكذيبهم له على أنواع مختلفة . فتذكر القصة على النحو الذي يقع له مثله . وبذلك اختلف مساق القصة الواحدة بحسب اختلاف الأحوال . والجميع حق واقع لا إشكال في صحته .